السبت، 9 أكتوبر 2010

يوم ملحمي في أون إسلام


لحظات حلوة دافئة أمضيتها بصحبة الرفاق في إسلام أون لاين سابقا أون إسلام حاليا بمناسبة إعادة بعث المشروع العملاق الذي أريد له أن يدفن وأبى القائمون عليه إلا الصمود.
بقدر ما كان المشهد مؤلما في شهور الأزمة بقدر ما كان اليوم ملحميا فها هو الموقع ينتفض مجددا ويعلن عن نفسه بقوة.
كل الذين قد غادروا الموقع حضروا ليشهدوا اللحظة الرائعة التي تركت فيّ أعمق الأثر، لحظة تدشين الموقع وإطلاق الحمامات في فنائه الرحب.
يا الله.. في هذه اللحظة تحديدا تلاشت من ذهني كل لحظات المعاناة والألم والتردد الذين عايشتهم في أثناء الأزمة. لم يتبق إلا حبي العميق للمشروع ورغبتي في الاستمرار مع أسرتي الممتدة والمشاركة في دعم الموقع الجديد.
لحظات مضت سريعة وخلفت ورائها ذكريات لن تمحى.

الأربعاء، 23 يونيو 2010

عبد الله دراز..منظر الأخلاق القرآنية


فاطمة حافظ

ولد العلامة محمد عبد الله دراز بقرية محلة دياي إحدى قرى الدلتا في الثامن من نوفمبر 1894 لأسرة علمية عريقة؛ فوالده الشيخ عبد الله دراز الفقيه اللغوي المعروف الذي قدم شروحا لكتاب الموافقات للشاطبي، والذي عهد إليه الإمام محمد عبده بمهمة الإشراف على المعهد الأزهري الجديد بالإسكندرية اطمئنانا إلى علمه وكفاءته.

السيرة العلمية والأثار الفكرية

درس دراز بالأزهر وحصل على الشهادة العالمية عام 1916 وعيّن مدرسا ثم أستاذا للتفسير بكلية أصول الدين، وفي عام 1936 سافر إلى السوربون لاستكمال دراساته العليا وهناك درس على يد كبار المستشرقين مثل: ليفي بروفنسال، لويس ماسينيون، لوسن، حتى نال درجة الدكتوراه في فلسفة الأديان بمرتبة الشرف الأولى عام 1947.

وقد تألفت رسالته من دراستين: الأولى مدخل إلى القرآن الكريم وهي دراسة تمهيدية موجزة حول تاريخ القرآن، والثانية دستور الأخلاق في القرآن الكريم وتقع في حوالي ثمانمائة صفحة، قدم خلالها رؤية متكاملة للنظرية الأخلاقية القرآنية في شقيها النظري والعملي. وإنجاز الرسالة الأساسي أنها استخلصت -للمرة الأولى- الشريعة الأخلاقية من القرآن في مجموعها، وقدمت مبادئها وقواعدها في صورة بناء نظري متماسك مستقل عن كل ما يربطه بالمجالات القريبة منه، وهو ما أحدث انتقالا بها من دائرة التعاليم الوعظية التي تستهدف تقويم السلوكيات إلى الدائرة المعرفية.

لم تنل الدراسة في السوربون والاحتكاك بالمستشرقين من أزهرية الرجل العتيقة واعتزازه بثقافته وتراثه؛ فقد كان مؤمنا بأن مهمة الباحث المسلم تتجاوز إحياء التراث ووصل ما انقطع منه إلى تحديثه والإضافة إليه، ولذلك شرع قبيل وفاته في كتابة مؤلفه (الميزان بين السنة والبدعة) وأراد به أن يُحدث كتاب الإمام الشاطبي (الاعتصام) إلا أن أجله المحتوم لم يمهله أن ينجز مهمته الجليلة.

خلف دراز تراثا فكريا راقيا لم يتجاوز أربعة عشر مؤلفا تراوحت بين الكتب والبحوث، وأهم كتبه: النبأ العظيم، الدين: بحوث ممهدة لتاريخ الأديان. أما بحوثه فأبرزها: الربا في نظر القانون الإسلامي، مبادئ القانون الدولي العام في الإسلام، حول المؤتمرات العالمية للأديان. وعلى ندرتها فقد شكلت إضافات معرفية سدت فراغا في حقول الفلسفة الإسلامية وعلم الكلام وتاريخ الأديان.

في ظلال الحركة الوطنية

لم يكن دراز من أولئك النفر من العلماء القابعين داخل أقبية الفكر محتجبين عن الواقع وتياراته وإنما هو من المنشغلين بقضايا وطنه وأمته، وللرجل مواقف مشهودة فقد طاف على السفارات الأجنبية بمصر إبان ثورة 1919 محاضرا باللغة الفرنسية التي أصر على تعلمها آنذاك ليشرح قضية بلاده أمام ممثلي الدول الغربية.

وعرف عنه تأييده لإلغاء المعاهدة المصرية الإنجليزية عام 1951 وكان ممن أسهموا في إعداد كتيبة طلبة الأزهر التي انخرطت في مقاومة القوات البريطانية بمنطقة قناة السويس، وفي أعقاب الثورة عرض عليه الضباط الأحرار منصب شيخ الأزهر إلا أنه لم يهرول لقبول المنصب الجليل واشترط الاستقلالية الكافية وأن تطلق يده لإجراء إصلاحات جوهرية بالأزهر، وعندما لم يجب إليهما رفض قبول المنصب.

ومن الاهتمام بقضايا الوطن إلى مناصرة قضايا الأمة؛ فعندما كان بفرنسا جهر بتأييده لحركات التحرر العربية: الفلسطينية والمغربية والجزائرية، وقد توطدت صلاته بوجه خاص مع جمعية العلماء الجزائريين حين شارك في الأنشطة الثقافية والدعوية التي قامت بها في باريس ومن خلالها تعرف على مالك بن نبي الذي طلب منه أن يقدم لبعض كتاباته. كما تواصل دراز مع الإمام عبد الحميد بن باديس في الجزائر حين تدخل لدى الأزهر لقبول الطلبة الجزائريين بالجامعة العريقة.

المعالم الأساسية في كتابات دراز

في مفتتح رسالته "دستور الأخلاق في القرآن" كتب دراز: "فإذا لم يأت عملنا هذا بشيء جديد في عالم الشرق والغرب فلن يكون سوى مضيعة وزحمة وإثقالا" بهذه العبارة قيد الشيخ عملية الكتابة بقيد الإتيان بالجديد والإعراض عن اجترار القديم، وأشار إلى أهم ملمح يميز كتاباته على الإطلاق، أما باقي الملامح فيمكن إيجازها على النحو التالي:

أولا: المدقق فيما كتبه دراز يجده لم يكتب جملاً متراصة بعضها فوق بعض لا تؤدي وظيفة، إلا الوظيفة البلاغية، وإنما هو كمن شيد بناءً لا تستطيع أن تصعد إلى طابقه الأعلى دون المرور على الطابق الأسفل، ولذلك يتعذر الاستغناء عن فقرة واحدة من كتاباته، أو أن نقدم بعضها أو نؤخره كما نفعل مع البعض، ذلك أن فقراته نظمت بإحكام في أنساق مترابطة؛ كل فقرة تبرهن على ما سبقها وتمهد لما بعدها.

ثانيا: غلبة الطابع التجريدي، والتجريد في أصله عملية معرفية قوامها الفصل بين ما هو جوهري وما هو ثانوي وغايتها إقصاء الهامشي الذي لا يحمل دلالة بغرض الوقوف على لب الشيء وجوهره، وبفضل عمليات تجريدية متوالية توصل دراز أن القرآن يعالج موضوعين اثنين: الحق الأسمى والفضيلة، وكل ما تبقى من محتوياته ونصوصه ليست سوى وسائل لتعزيز رسالة القرآن وإعطائها وزنا أكبر.

ثالثا: في كتاباته لا يقفز دراز إلى استنتاجات أو أحكام معينة دون أن يدلل عليها ويسوغها منطقيا، والأدلة لديه بناء محكم يشد بعضه بعضا، وهي على درجات ثلاث: أدلة شرعية، وأدلة تاريخية، وأدلة منطقية عقلية. وتكاثر الأدلة وتدرجها يعني أنه لم يكن يكتفي بسوق الأدلة القرآنية دون أن يعضدها ببراهين منطقية عقلية، فكثيرا ما أرجأ الدليل القرآني إلى ما بعد الدليل المنطقي ليحمل على الاستنتاج بأن المنطق والعقل سيقودان حتما إلى التصديق بالقرآن.

الدين والإسلام

عني شيخنا عناية خاصة ببحث مسألة العلاقة بين الإسلام وغيره من الديانات وله فيها رؤى متميزة جاءت محصلة استنباط مباشر من النص القرآني دون العروج على مؤلفات وسيطة تاريخية أو معاصرة، ونقطة البدء كانت في تحديده لمفهومي الإسلام والدين.

والإسلام كما لا حظ دراز وصف أطلقه جميع الرسل على الديانات التي أتوا بها، وليس وصفا خاصا بالإيمان بما جاء به محمد صلوات الله عليه فهو اسم مشترك جامع بين الديانات السماوية "التي لم تتناولها يد الإنسان بتغيير أو تحريف" وعلى ذلك لا يصلح الإسلام لأن يكون محلا للتساؤل عن العلاقة بينه وبين الأديان السماوية إذ لا يسأل عن العلاقة بين الشيء ونفسه؛ فهاهنا وحدة لا انقسام فيها، كما يقرر دراز.

والإسلام هو الدين الوحيد المقبول، وليس هناك على وجه الأرض سوى دين واحد اعتنقه المؤمنون في جميع الأزمنة والأمكنة، وغير ذلك معناه اتخاذ موقف الرفض بل والإنكار لنصوص القرآن القطعية، ويمضي دراز موضحا أن مفهوم الدين لم يكن مفهوما ثابتا وإنما كل رسالة منزلة كانت تشكل لبنة وعنصرا في تطور المفهوم الذي اكتمل برسالة محمد الخاتمة، وعلى هذا تتساوى جميع الرسالات وكل المرسلين الذين شاركوا في كشف طبيعة ذاك الدين في الفضل، ولا يجوز أبدا لأتباعهم أن يفرقوا بينهم إذ التفريق بين رسل الله كفر، كما لا ينبغي لهم أن يفضلوا بعضهم على بعض؛ فتلك خطيئة تقوض العقيدة من أساسها وتفصم عرى الوحدة التي جعلها الله وتجعل من العواطف والهوى معيارًا للعقيدة.

ويذهب دراز خطوة أبعد موضحا معالم العلاقة بين الكتب المنزلة الثلاثة؛ فيذكر أن هناك مرحلتين للعلاقة: مرحلة ما قبل التبديل ومرحلة ما بعده؛ ففي المرحلة الأولى أتى القرآن مصدقا لما قبله من التوراة والإنجيل، وليس معنى التصديق عدم الإضافة أو التبديل إذ جاء الإنجيل ليحل بعض أحكام التوراة كما أحل القرآن بعضا مما حرمه الإنجيل، وحسب دراز فإن هذا ليس نقضا من المتأخر للمتقدم أو إنكارًاً لأحكامه وإنما هو وقوف بهذه الأحكام عند ظرفيتها التاريخية المناسبة.

أما مرحلة ما بعد التبديل ففيها يتحول القرآن إلى حارس ومهيمن على الكتب السماوية السابقة، ومن مقتضيات الهيمنة ألا يكتفي بتأييد ما ورد فيها من حق وعدل وصدق وإنما يتوجب عليه إبعاد التأويلات ونبذ التفسيرات الخاطئة التي نسبت زورا وبهتانا إليها، وهو بهذا يسدي للبشرية صنيعا بحفظه تراثها نقيا كما هبط من السماء.

القرآن في سورة منه

عرف عن دراز مقارباته القرآنية التي تفرد بها عما سواه ممن سبقوه أو خلفوه، وإنجازه الأساسي أنه استطاع التوفيق بين طرفين يتعذر الجمع بينهما نظريا حين انتظمت مقارباته الآليات المنهجية (الموضوعية) والتجربة الإيمانية (الذاتية) على حد سواء فأتت طرازا فريدا في بابها، وتعد نظراته حول فاتحة الكتاب نموذجا لهذا النظم، وهي تجمل منهجه في النظر إلى النص القرآني في كليته وارتباط أجزائه بعضها ببعض، والسعي إلى الكشف عن الوحدة الكامنة فيه خلف الكثرة البادية.

نظر دراز إلى الفاتحة نظرة جديدة فلم يكتف بالوقوف عند حدود آياتها ومعانيها، وإنما نظر إليها في علاقتها بباقي سور القرآن، مفترضا أنها على صغر آياتها تجمل مقاصد القرآن الكلية؛ وأن بقية السور ما هي إلا تفصيل وبيان لذلك الإجمال الذي حوته.

ومقاصد القرآن كما بينها دراز، مقصدان نظريان: هما معرفة الحق ومعرفة الخير، ومقصدان عمليان تثمرهما هاتان المعرفتان؛ فثمرة معرفة الحق هي تقديسه؛ وثمرة معرفة الخير التزامه.

الآيات الثلاثة الأولى من سورة الفاتحة عالجت مسألة التعريف النظري بالحق سبحانه وتعالى وصفاته في شذرات ثلاث انتظمت أركان العقيدة القرآنية في ترتيب بالغ الإحكام: المبدأ فالواسطة، فالميعاد (التوحيد، النبوة، الجزاء) وهي تسفر واقعا عمليا هو العبودية والاستعانة، أما الشق الثاني من السورة فيرتبط بالجانب البشري حين يعرض صور العمل الإنساني: المستقيم والضال والمنحرف ويناقشها على ضوء القيم الخلقية؛ فيجعل من الاستقامة معيارا يحدد للبشرية الصراط الذي ينبغي أن تسلكه ومن استحكمت معرفته بهذا الأصل النظري فإنه يسفر واقعا عمليا هو الهداية مصداقا لقوله تعالى: "اهدنا الصراط المستقيم".

على مستوى آخر من التحليل نظر دراز السورة من جهة أسلوب الخطاب مقارنة بعموم الخطاب القرآني؛ فوجد أنها السورة الوحيدة التي أتت على لسان البشرية على حين أتي بقية السور جاءت على لسان الربوبية ويفسر دراز الاختلاف في وجهة الخطاب إلى أن الفاتحة تجسد سؤال البشرية وحاجتها للهدي على حين أن باقي القرآن هو الهدى المطلوب.

ظل الشيخ دراز ممسكا بقلمه حتى انتقل إلى جوار ربه أثناء انعقاد مؤتمر الأديان بلاهور في يناير 1958 إذ لم يمهله الأجل أن يتلو بحثه الأخير أمام المؤتمرين فأحدث رحيله دويا هائلا وفراغا معرفيا مازال شاغرا.

نشر في إسلام أون لاين

http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1209357376129&pagename=Zone-Arabic-ArtCulture%2FACALayout

السبت، 8 مايو 2010

يحيي الرخاوي يكتب عن أزمة اسلام اون لاين: إسلام العدل المحيط؟ أم إسلام العولمةْ المعدّل؟


ليس من حق أحد أن يدعى بعد الآن، أو حتى قبل الآن، أن هناك من يطلق عليهم "أعداء الإسلام" إلا إذا بدأ بالبحث عنهم بين المسلمين أنفسهم. كل الأديان لها نفس الرسالة، وكل من وصلته جوهر الرسالات، له أن يتحلى باللافتة الأقرب إليه، وهو الأحق بها القادر على حمل أمانتها. أظن أن هذا ما فعله شرفاء وشباب الموقع الراحل "إسلام أون لاين"، وهو الذى لم يعجب الممول الذى فى قلبه مرض، فزاده الله مرضا.


أنا لست من هواة زيارة المواقع الدينية أصلا، حيث الغالب فيها، بعد الفخر والهجاء، والقذف والبذاءة، هو احتكار الحقيقة، وبث الفرقة، لكن هذا الموقع كان استثناءً. أول ما سمعت عن إيجابياته سمعتها من ناس طيبين ليست لهم علاقة بالإسلام "الذى هو الحل"، والذى كاد يحل محل الإسلام الحقيقى، بصراحة بعضهم يساريين مسلمين وغير مسلمين (وهل ثم مانع أن يكون اليسارى مسلما؟!)، أخبرنى رهط من هؤلاء الأمناء، بدهشة أو بفرحة، أن هناك موقع اسمه "إسلام أون لاين"، وأنه مصدر متوازن لمعلومات سياسية، وعلمية، واجتماعية جيدة ومفيدة وموضوعية، وأنهم يثقون فيما يقدم هذا الموقع أكثر من ثقتهم فى مواقع كثيرة تدعى الموضوعية، والديمقراطية، وهى تدس السم فى الدسم طول الوقت.

ثم إنى سجلت مع شباب هذا الموقع حوارا أو اثنين، قلت فيهما ما عندى مما أتصور أن به من الاجتهاد ما يحسبه بعض الأوصياء على الإسلام تجاوزا، وإذا بحوارى يذاع مرارا دون حذف حرف واحد، فتيقنت أن شهادة أصدقائي الطيبين كانت فى محلها.

ثم دعتنى قناة تحت الإنشاء اسمها "أنا" إلى تسجيل بعض البرامج بها قبل بدء البث، وفعلت، ثم اكتشفت بعد فترة ما أخفوه عنى – قصدا غالبا- أن هذه القناة هى البث المرئى الفضائى لنفس الموقع "إسلام أون لاين"، وفرحت أن هناك من انتبه إلى أن المهم هو أن يوصل رسالة الإسلام، دون الاختناق تحت سقف ما يشاع عن الإسلام،وحتى دون لافتته، قلت فى حلقات التوعية والنقد والمراجعة هذه، ما لم أستطع أن اقوله فى أى مكان آخر، حتى سموا البرنامج باسمى من فرط سماحهم ("مع الرخاوى")، وتعجبت من وضوح هدفهم، وتنازلهم عن اللافتة مقابل توصيل الرسالة وحمل المسئولية. سألتهم عن الإعلانات، وعرفت أنهم منتبهون قد خططوا للاستغناء عنها تأكيدا للموضوعية وحملا للأمانة كما ينبغى، فسألت المعدتان (سحر، ومروة)، عن التمويل، فلم أحصل على إجابة وافية، ورجحت أنهما لم يكن لديهما إجابة وافية.

ما هذا؟ ماالذى يجرى بالضبط؟ هل الدنيا بخير هكذا؟ وهل ما زال بيننا من يحرص على حمل الأمانة بهذا الذكاء، وتلك الموضوعية؟ بعيدا عن الأسماء والشعارات هكذا؟ الحمد لله، فرحت، برغم توجسى، وتم تسجيل ثلاثين حلقة قبل بداية البث، ثم بدأ البث، وأذيعت حوالى نصف الحلقات، ثم فجأة اتصلت بى "سحر"، أو"مروة"، لا أذكر، وقالت: نحن نشكرك على تعاونك، ونعتذر لعدم بث بقية الحلقات لما تعلمه من أننا توقفنا. توقفتم؟ أهكذا؟ لماذا؟ لم أسألها فأنا أعرف أنها لا تملك الجواب، و حزنت، وترحمت،: "البقاء لله".

لم تمض أسابيع على توقف قناتهم التليفزيونية حتى بدأت أقرأ عن هذه الهجمة الشرسة على الموقع نفسه، تابعت أغلب ما كتب عن ملاباسات التوقف من مؤامرات، وتربيطات، ومقالب، وخيانة، حتى إقالة الشيخ المرجع المستجير بهم، بدأت أفهم:

لم يتحمل أعداء الإسلام (المموِّلين من المسلمين غالبا)، أن ينجح بعض المسلمين فى مخاطبة المسلمين وغير المسلمين برسالة الإيمان، والموضوعية، والحياة، والخير، لم يتحمل أعداء العدل والحق تعالى وكل الأديان، أن تصل الرسالة إلى أصحابها كما ارأدها خالقهم. لم يتحمل أعداء الله والأطفال والمستقبل، أن يقدم الموقع مؤخرا توثيقا علميا دقيقا على موقعيه بالعربية والإنجليزية للجرائم الإسرائيلية التى تحدث فى غزة، وانتهاك المسجد الأقصى تمهيدا لإزالته، ونشر صور المجندات الإسرائيليات يحتللن الحرم الإبراهيمى... إلخ. لم يتحمل أعداء أنفسهم والتطور أن يكشف الموقع سر الثورات البرتقالية والبنفسجية المسخسخة عبر العالم، لم يتحمل العبيد من المسلمين أن يتحرر الإسلام منهم هكذا، ليساهم بإبداعاته الحقيقية فى مسيرة البشر الرشيدة.

وهكذا اكتشفتُ ما عجزت مروة وسحر عن الإجابة عليه: لا بد أن التمويل تم فى غفلة من الممول الذى لم يعمل حساب أن تنقلب المسألة جـِدا حضاريا إيمانيا مشرقا هكذا. أنا على يقين الآن أن التمويل كان مشروطا بأن يقوم هذا الموقع "بالمطلوب"من سادة سادة الممول، "فيسمع الكلام"، ويروج لإسلام تم تحديثه "على مقاس" أعداء الإسلام، وأعداء الله والبشر، لخدمة أغراضهم الاستهلاكية، والاستعمارية الظاهرة والخفية وحين لم يسمع المنفذون الكلام، توقف التمويل، فتوقفت القناة، ثم أوقف الموقع.

وهكذا تعرت القوى المالية التراكمية المغتربة تنبرى لتمويل مثل هذه المشاريع اوهى تحمل لافتات مغرية هكذا، وظهرت على حقيقتها وأنها قوى مشبوهة إن غفلت عن تحقيق أغراضها باكرا، فهى سرعان ما تنقض على القائمين على التنفيذ إن حادوا عن شروطها ليصبحوا خطرا على مشروعها التخريبى التشويهى الأصلى، وتبين أنه ليس لديها مانع أن تهدم كل ما بنت، لتبحث عن تابعين أكثر غباء، أو قدرة على "سمعان الكلام"!! تعروا ومع ذلك مازالوا عميانا تماما.

الدرس الذى علينا نحن المستضعفين فى الأرض أن نستوعبه: هو أنه لا يمول الحق إلا أصحاب الحق، فباختصار: على المستضعفين فى الأرض أن يبدأوا بامتلاك القوى التى تضمن لهم الاستمرار، وأن يتحلوا بجرعة أكبر من التفكير التآمرى، لعلها تقيهم من مضاعفات حسن النية، والثقة بمثل هذا الطابور الخامس، الذى ما مول هذا الموقع إلا ليهدم الإسلام، ويشوه المسلمين بإظهار أنهم لا يتقنون إلا الصراخ، والتعصب، والقهر، ووأد الإبداع، والتشنج..إلخ، وحين تحول المسار إلى وجه الحق، توقف التمويل، وأقيل الرجل العالم الجليل، تمهيدا لضم الموقع إلى جوقة التشويه والتسطيح والتبرير والتبعيية، ربما تحت لافتة تقول: "إسلام عوْلمى معدل موديل 2010 ".

مرة أخرى

لا مكان فى صراع اليوم لحسن النوايا، ولا للثقة بمصادر مشبوهة مهما خطبوا فى جامعاتنا، أو اجتمعوا على موائد قممهم، ولا ضمان للاعتماد على حماس شباب ذكى طيب مهما بلغت قدراتهم ومهارتهم وإخلاصهم، لا مكان لكل هذا إلا إذا تم الاستقلال الحقيقى، باقتصاد نظيف قادر، وإنتاج قوى منافس، ليتمكن المدافعون عن حقهم فى الحياة، أن يساهموا بكل الوسائل الحديثة فى صد هجمة الانقراض المنذر على أيدى من انفصلوا عن نوعهم الإنسانى مغرورين بسلاحهم، ومؤسساتهم، وإعلامهم، وتعصبهم، ومؤامراتهم.

هذا درس نتعلمه مما حدث: إن الاستقلال المادى القوى هو الممول الأضمن لكلمة الحق وخير الناس، وإن التفكير التآمرى الإيجابى هو ضمان ضد مثل هذه الإهانات والتخريب المفاجئ.

لا بديل عن المثابرة وطول النفس، فكل ما يعملونه، مهما بلغت قوتهم هو زبد يذهب جفاء إن عاجلا أو آجلا، أما ما يمكث فى الأرض وينفع الناس فهو الاستقلال الاقتصادى، والإبداع الفائق، والقوة القادرة، وتعهد الجمال داخلنا وخارجنا طول الوقت.

ولسوف ننتصر.


الاثنين، 20 يوليو 2009

النزعة الإنسانوية في فكر رضوان السيد


يشير مفهوم "النزعة الإنسانوية" إلى المذهب الفلسفي الذي نشأ في إيطاليا إبان عصر النهضة والذي يتمركز حول الإنسان ويجعل منه القيمة العليا في الوجود؛ بيد أننا نستخدمه هاهنا لنشير إلى الدائرة الإنسانية في فكر رضوان السيد والتي تتبدى من خلالها رؤيته للإنسان ودوره وموقعه، وكيف تتأسس علاقته بالآخر، وما هي المفاهيم الحاكمة لها، وكيف يمكن أن نؤسس لعلاقة أفضل تضمن الاعتراف والاحترام المتبادلين.
وحيث أننا بصدد مؤرخ أفكار تمثل المفاهيم محورا ينبني عليه مشروعه الفكري بأسره إذ ينطلق في دراسته للتاريخ الثقافي مما يسميه "المفاهيم المفاتيح" في الفكر الإسلامي، باحثاً عن تمظهراتها على هيئة أفكار وأيديولوجيات واتجاهات فكرية
[1]، وحرى بنا أن ندور معه بالضرورة فنبحث عن ملامح النزعة الإنسانوية وأبعادها وتجلياتها ضمن مشروعه الفكري انطلاقا من المفاهيم المتداولة لديه من قبيل: التعارف، التآخي، المساواة، التسامح، الحرية إلى غير ذلك من المفاهيم ونبحث في مدلولاتها. ومن الأرضية المفاهيمية إلى الممارسات التطبيقية نتوقف معه أمام كيفية تمثل التاريخ الإسلامي للمفاهيم القرآنية المحددة لطبيعة العلاقة مع الآخر والتي تكفل حرية المعتقد الديني، ونختتم برؤيته التحليلية المقارنة للإنسان وحقوقه وكيف ينظر إليها أبناء الحضارتين الإسلامية والغربية، وما هي الآفاق التي يمكن أن تبلغها هذه الحقوق في العالم العربي.
ويجدر أن نشير ابتداء إلى أن من يدقق في النزوع الإنسانوي لدى لرضوان السيد يسترعي انتباهه أنه يرفد من رافد أساسي هو القرآن الكريم الذي أفاض السيد في تبيان ملامح مشروعه لإعادة بناء الإنسان والعلاقات الإنسانية على أسس قوامها المساواة في الخلق والقيمة، غير أنه لا يعدم ملاحظة خط آخر موازٍ يتغذى منه هذا النزوع يستند إلى قيم الانسانوية العالمية ممثلة في دعاوى الحوار بين الثقافات، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يعده خطوة واسعة في المجال الإنسان.

الرؤية القرآنية للاختلاف الإنساني

يقف رضوان السيد أمام القرآن الكريم مقلبا النظر في رؤيته للإنسان والطبيعة الإنسانية فيجد أن القرآن اعتبر الإنسان مقولة قائمة بذاتها من الناحيتين الوجودية واللغوية وقد تحير فيها المعجميون واللغويون وما استطاعوا الاتفاق على جذرٍ لها[2]. ويمتلك القرآن، حسب السيد، رؤية متكاملة للعالم تستند إلى إدراك عميق للطبيعة الإنسانية الاختلافية التي تجد مصداقها في قوله تعالى (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (الحجرات: 13). هذا الاختلاف الذي أورده القرآن على مراتب عدة: اختلاف إثني ثقافي )تعددية الألسنة واللهجات والألوان)، وفي أشكال التنظيم الاجتماعي (الشعوب والقبائل)، وفي الانتماء الديني.
وهذا الاختلاف الطبيعي والخلاف الناجم عنه، وفق قراءة رضوان السيد، لا يفضيان بالضرورة إلى شرور وتشرذم ومشاحنات، وذلك لعاملين اثنين: أن خالق البشر أحد لا شريك له، وأن الوحدة كانت أصلا بين البشر ثم حدث الاختلاف (وما كان الناسُ إلاّ أمةً واحدةً فاختلفوا) (يونس: 19). أما عن كيفية إدارة هذا الاختلاف وتحويله إلى أمر مثمر وإيجابي فهذا ما يرجعه إلى التعارف الذي يشكل المفهوم المركزي في شبكة المفاهيم الإسلامية الضابطة للاختلاف المؤلفة من (التعارف، الخيرات، المسئولية). ويولي السيد أهمية قصوى لمفهوم التعارف ويراه يحمل من المعاني والدلالات ما يؤسس لعلاقات إنسانية رحبة تحول دون ادعاء الاصطفائية أو التقوقع حول الذات تحت مسمى الهوية والخصوصية. ويعني التعارف لديه أمور ثلاثة:

أولها الاعتراف المتبادل بين جميع الأطراف بالمصالح المختلفة والاهتمامات المتباينة.
وثانيها التعرف على المشتركات التي يمكن أن يتلاقى عليها البشر استنادا إلى الطبيعة الإنسانية الفطرية والمصالح الموجودة في الاجتماع الإنساني.
وثالثها معرفة الآخر التي تولد أنسا وتوادا؛ حيث أن الجهل بالآخر وعدم معرفته هو الداعية الرئيس للتخاصم والافتراق.

ويتحدد مضمون التعارف وفق الآية الكريمة (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) (آل عمران، 64) وهو يتأسس على "وحدانية الله الخالق، والتعامل بين البشر على قدم المساواة في القيمة الإنسانية وفي الحقوق المترتبة على ذلك شكلا وموضوعا. والمساواة تعني أنه لا أحد يمتلك الحقيقة المطلقة أو لديه تفوق أخلاقي متفرد.... فتأسيسا على الوحدانية في الخلق والعبادة تترتب رؤية لعالم بني الإنسان قائمة على الحرية والمساواة والندية"[3] وانطلاقا من هذا يذهب رضوان السيد إلى أنه لا يحق للموحدين ادعاء ميزة على غيرهم من الخلائق وإنما ميزتهم الوحيدة – إن صح التعبير- هي في تحولهم إن أحسنوا القيام بمسئولياتهم إلى شهود في عالم بني الإنسان. والشهادة دعوة وحضور فضلا عن كونها مسئولية (وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون) (سورة الزخرف: 44) وهي ليست مسئولية أخروية وحسب وإنما هي مسئولية دنيوية بالأساس، فأصحاب الديانات التوحيدية على السواء هم من يقع على عاتقهم تحقيق نهج التعارف وهم المسئولون عن تحريفه وسوف يُسئلون عن ذلك كله.
ومقصد العملية التعارفية القرآنية وغايتها الكبرى تحقيق الخيرات (ولكل وجهة هو موليها؛ فاستبقوا الخيرات) (البقرة:148)، والخير مفهوم يتسم بالعمومية والشمولية تتطابق حدوده لدى رضوان السيد مع مفهوم المعروف. وحسبما يلحظ فإن "القرآن يدعو المسلمين للتنافس مع غيرهم في استباق الخيرات دونما تحديد لتلك الخيرات باعتبارها معروفة ومشتركة بين بني البشر ولا ينفرد بها المسلمون معرفة وتحديدا" وبالتالي فليس من حق المسلمين الانفراد بتحديد القيم التي يشاركون فيها البشرية حيث أنهم ينفصلون بهذا عن بقية البشر وتتعملق لديهم أوهام الخصوصية
[4].
وإلى جوار المنظومة التعارفية يلمح رضوان السيد طريقة قرآنية ثانية تُشكل مستوى آخر من مستويات تنظيم الاختلاف الإنساني ألا وهي التآلف بين المؤمنين بالإله من أهل الديانات التوحيدية بما يتجاوز الاعتراف إلى التآخي (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله) (آل عمران:64) ويردف أن الإعراض عن التعارف وعن التآخي لا يعني حتمية التنازع إنما هناك حدود دنيا يمكن أن تصل إليها العلاقة عبرت عنها الآية الكريمة (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) (الممتحنة:8).

التسامح والحرية

في مقابل تلك المنظومة من المفاهيم القرآنية ينتقل رضوان السيد إلى مفهوم التسامح المأخوذ من الفضاء الحضاري الغربي، والذي رغم حداثته النسبية إلا أنه بات يشكل المفهوم المركزي حين التحدث عن ضرورات قبول الاختلاف. وقد بحث السيد عن رؤى التسامح والاعتراف بالآخر فوجدها تكاد تنحصر في ثلاث:
أولا: الرؤية المسيحية التي تقوم على "المحبة" والتي تأسست على المفاهيم المسيحية الكبرى في التجسد والصلب والفداء والقيامة، بيد أن هناك عدد من العوامل التاريخية قلصت من مفهوم المحبة وقصرته على المؤمنين بالمسيح وكنيسته مما أسفر عن حروب دينية طاحنة عرفتها القارة الأوروبية امتدت من القرن الرابع عشر حتى القرن التاسع عشر.
ثانيا: الرؤية الإنسانوية التي ظهرت في أوروبا خلال القرنين السابع والثامن عشر، وهي تبحث عن إقرار الأمن والسلام الاجتماعي بعيدا عن العقائد والأديان التي اعتقد أنها علة الحروب بين المؤمنين بين الأديان المختلفة، وهذه الرؤية تتأسس على مبدأ اللاأدرية، وتذهب هذه الرؤية إلى أن لكل إنسان حق طبيعي هو نتاج طبيعته الإنسانية وهذا الحق يخوله أن يكون حرا في اختياراته العقدية والاجتماعية والسياسية.
ثالثا: الرؤية الإسلامية، وقد أسلفنا القول أنها تستند إلى مفاهيم التعارف والمسئولية والخيرات
[5].
وبحثا عن سياقات المفهوم في العالم العربي يتتبع تاريخ تداول المفهوم في الأدبيات؛ فيجد أنه بدأ يتخلل أدبيات النهضويين في الربع الأول من القرن العشرين للتعبير عن الاختلاف مع الآخر حيث حل بديلا لمفهومي التساهل والتحمل. وكان استخدامهم له على استحياء وبحذر وذلك حكم ارتباط المفهوم بالنزعة الإنسانوية المستندة إلى اللاأدرية. ويلاحظ في هذا السياق أن الإسلاميين بعد انتصاف القرن عملوا على إسقاط حمولته الدلالية وإضفاء الصبغة الإسلامية؛ فأعادوا بنائه على أرضية إسلامية استنادا إلى القرآن الكريم وإلى التجربة التاريخية الإسلامية؛ وبذلك لم يعد لديهم أدنى حرج في التعامل معه. ورغم هذه المقاربات الإسلامية للمفهوم يذهب رضوان السيد إلى "منهج التعارف القرآني –هو- الأقرب من التسامح إلى طبيعة الإسلام"
[6] وهذا لا يعني رفضا منه لمفهوم التسامح وأن يكون ركيزة لتقبل الاختلاف مع الآخر، وإنما يجد أن التعارف أكثر شمولا وقربا من طبيعة الإسلام لكونه نابع من كتابه المنزل.

ومن التسامح إلى مفهوم آخر أكثر محورية هو مفهوم الحرية الذي شيد حوله البناء الفلسفي الغربي بأسره، يناقش السيد مسألة الحرية الفردية في سياقها الغربي ذاهبا إلى أنه لا يصح اعتبار تحقق الحرية الفردية دليلا على أن النظام السياسي قد كفل الحريات والديمقراطية، ويبرر ذلك بقوله أننا ينبغي أن نميز ما بين النوازع والمصالح الفردية وبين الالتزام الثقافي بالحرية ف"الواصل المنطقي والعملي بين الفردية والنظام هي ما يمكن تسميتها بالأخلاق؛ بمعنى أن الالتزام الأخلاقي هو المنقذ من سلبيات الفردية ومن هوامات الجماعية، والأخلاق تعني الأمور القيمية وتدبير الشأن العام "وبحسب السيد فإن الأخلاق قد ارتبطت ارتباطا عضويا منذ الأزل بالدين ولذلك كان الفصل العنيف بين الدين والدولة في أدبيات وممارسات الثورة الفرنسية ضربا للقيم الأخلاقية وإضعافا بالتالي لفكرة الحرية الفردية والجماعية إذ لم تعد مقرونة بالقيم الأخلاقية رغم أنها منوطة بإدارة الشأن العام؛ ولعل هذا ما يفسر لديه كثرة الديكتاتوريات والفاشيات في تاريخ أوروبا العلمانية الحديثة
[7].
وفي الجهة المقابلة يقارب رضوان السيد مفهوم الحرية في الإسلام منطلقا من أن علاقة العبودية بين الله والعبد هي أساس فكرة الحرية بمعنى أنها التزام من جانب العبد وضمان من الله سبحانه وتعالى للحرية الإنسانية، وهي ما يعبر عنه المتصوفة بقولهم "انقطاع العلائق مع الخلائق" وتجد الحرية ركيزتها في الإيمان بالله وبأنه مصدر النظام الأخلاقي، فأساس الحرية في الإسلام ليس النقاشات الكلامية الطويلة لعلماء الكلام حول خلق أفعال الإنسان أو عدم خلقها من جانب الله سبحانه وتعالى بل في تأسيس فكرة الحرية على مصدر الخلق والأخلاق لتصبح المشكلات تقنية أو إجرائية بحيث يصبح التساؤل هو كيفية إنجاز الحرية فرديا وجماعيا " وليس معنى ذلك الاشتراط أن يكون الإنسان مؤمناً لكي يكون حرا؛ لكن الإيمان ضمان للحرية الأخلاقية التي لا تقع في المسلمات والأوهام والتأليهات التي لا تنتهي كما هو شأن العقائد والفلسفات الشمولية في القرن العشرين".
وفي عبارة مكثفة بالغة الدلالة يجمل رأيه الانتقادي لواقع الحرية كما يمارسها الشرقيون والغربيون قائلا: إن الذي يتوحد بنفسه ويظن أنه صار حرا بذلك إنما يخضع حريته لمنزع واحد يصبح معبودا لديه -يعني الممارسات الغربية -، والذي تقوده فكرة شخص واحد وإن كانت أخلاقية –يقصد الممارسات العربية- يخرج بذلك من آفاق الحرية إلى التبعية والوهم
[8].

الحرية الدينية في الدولة الإسلامية: قراءة تاريخية

ومن الأرضية المفاهيمية إلى البحث في كيفية تمثل التاريخ الإسلامي لقيم ومفاهيم العلاقة مع الآخر غير المسلم والتي صيغت معالمه الأساسية من خلال نظام "أهل الذمة" الذي اقتصر في البداية المسيحيين واليهود وامتد بعد ذلك ليشمل الزرادشتين (المجوس) والبوذيين والهندوس، ممن أدخلوا تحت فئة (الصابئين) الذين ذكرهم القرآن. وعلى الرغم مما يحاط بالمفهوم من مدلولات سلبية معاصرة فإن رضوان السيد ينظر إليه نظرة مغايرة مبديا عليه بعض الملاحظات التي تعيد موضعته في إطاره التاريخي،
أولها أن نظام أهل الذمة قد تجاوز التعارف والاعتراف إلى ما يقرب من الأخوة، بحسب ما نص عليه القرآن، للاشتراك في أصل الإيمان بالإله الواحد والعقائد الأساسية.
وثانيها أن نظام أهل الذمة في أكثر وجوهه اجتهادي وليس قرآنيا إلا من حيث أصله ومن ثم كان عرضة للتأثر بالظروف التاريخية وبعلائق الدولة الخارجية لاسيما في حروبها الطويلة مع الفرنجة والتي أثرت في تعامل الدولة مع رعاياها المسيحيين في الداخل إلا أن هذا لم يتحول إلى سياسة مقررة في أي حقبة من الحقب.
وثالثها أن التقسيم إلى مسلمين وذميين تصنيف إسلامي داخلي وضع لأجل التنظيم وليس بغرض التمييز، وعلى شاكلته صيغت تقسيمات أخرى مثل دار الإسلام ودار الحرب، إلا أنه رغم التسمية بدار الحرب فإن أكثر الدول خارج دار الإسلام كانت تشملها تنظيمات أخرى، مثل: دار الموادعة، ودار العهد، ودار الاستئمان وهي جميعا تعبير عن أنواع العلاقات القائمة بين الدولة الإسلامية مع غيرها من الدول.
وبعيدا عن تلك التقسيمات الفقهية والواقعية فإن القاعدة الجماهيرية المسلمة قد حكمها مع غير المسلم مبدأ (لا إكراه في الدين) (البقرة:256) إذ ما أجبر أحد من الذميين على اعتناق الإسلام بقوة الدولة أو الضغط الاجتماعي، ووفقا لرضوان السيد، فقد بقي المسيحيون أكثرية في مصر والشام إلى عصر الحروب الصليبية وإلى ما بعد ذلك في الأندلس ونواح أخرى
[9]. وهذا لا ينفي حدوث أخطاء كثيرة في التصرفات ما كانت أتية من جانب الدولة بل الفقهاء شاركوا فيها وأسهم فيها العامة بنصيب وافر.
ويبقى الوجه الآخر لأوضاع الحرية الدينية في الداخل الإسلامي في العصور الوسيطة إذ يشدد رضوان السيد على أنه بالرغم من بروز عدد كبير من الحركات والفرق الإسلامية والتي شكك بعضها في إيمان المخالفين لهم في العقائد والسلوك إلا أن المسلمين ما توصلوا قط إلى اشتراع "قانون إيمان" ذي بنود تخرج من الملة أو الدين أو تكون شروطا للدخول فيه. غير أن انتفاء هذا القانون لم يكن ليحول دون فرض الفقهاء تعزيرات على المرتدين عن الإسلام وذلك من منطلق أن الردة لا يمكن إدخالها ضمن دائرة الإكراه في الدين التي خضع لها غير المسلم" بيد أن الأمر انتهى إلى الاستتابة أو الحبس المؤقت، ولا نعرف إعدامات سياسية إلا ما يزيد على عدد أصابع اليدين. وهي في الواقع حالات ظلم لها علل غير دينية أو أنها ناجمة عن ضغوط اجتماعية محافظة".
لقد شهد الاجتماع السياسي والثقافي الإسلامي قد شهد تطورات كبرى على شتى المستويات في القرون الثلاثة الأخيرة رافقتها حركة تعديلات فقهية واسعة بحيث غابت كثير من ملامح التنظيمات الوسيطة فقد أبطل نظام أهل الذمة وحل محله نظام المواطنة، كما رحلت تقسيمات دار الحرب ودار الإسلام إلا أن الفقهاء لم يذهبوا بعيدا في مسألة عقوبات الردة فظلت باقية على حالها بسبب الهواجس التي اعترتهم من الهجمات التبشيرية المصاحبة للاستعمار الغربي بحيث خشي إن تم التساهل في مسألة العقوبات أن تصب في صالح تسهيل مهمة التبشير، ولا يبدي رضوان السيد اقتناعا بهذا الطرح التسويغي ذاهبا إلى "أن الفقهاء أو كثيرا منهم يطالبون بما لا يطالب به القرآن الكريم الذي يكرر النص على الحرية الدينية ولا يشترع عقوبات دنيوية على المرتد"
[10]

حقوق الإنسان بين العالمية والخصوصية

في معرض تناوله لإشكالية حقوق الإنسان يقدم رضوان السيد عرضا تحليليا نقديا مقارنا لسيرة المفهوم والمرتكزات التي يتأسس عليها، ونقطة البدء لديه الفقه الإسلامي الوسيط الذي شاع فيه مقولة أن الشريعة أنزلت من أجل خمس مصالح/مقاصد ضرورية لبني الإنسان هي: النفس (حق الحياة) والعقل والدين والدين والنسل والمُلك. وهي المقولة التي تطورت تباعا حتى أصبحت منهجا نظريا متكاملا وضع قواعده الإمام الشاطبي في "الموافقات" حين قام بتصنيف هذه المقاصد إلى: ضروريات، وحاجيات، وتحسينيات. وهو الأمر الذي يعني برأي رضوان السيد أن الحقوق الإنسانية الأصلية تتفرع في شبكة تتوسع بقدر توسع إنسانية الإنسان، وأنها-أي الحقوق أو المقاصد- لا تخص الشريعة الإسلامية وحدها بل هي أمر إنساني عام وهو ما يدعمه قول الشاطبي "إنها مراعاة في كل ملة"[11].
ومن خلال تتبعه التاريخي لقواعد المنظومة الحقوقية والإنسانية لدى النهضويين يذهب رضوان السيد إلى أن الجيل الأول من النهضويين -ويعني تحديدا الطهطاوي والتونسي- كانوا في قبولهم للإنسانوية الأوروبية يعبرون عن المشترك الإنساني الجامع بين المسلمين وغيرهم؛ بيد أن تداعيات السياسة والتجربة الإمبريالية أحدثت عميق الأثر على الأجيال اللاحقة من المفكرين الإسلاميين الذين تعملقت هويتهم وتضخم لديهم الإحساس بخصوصيتهم. وهذا التحول على درجة من الوضوح بحيث يمكن تلمسه في حياة رجل واحد مثل السيد رشيد رضا الذي كان في مطلع القرن يجهر بالدعوة للاعتبار بحال الأوروبيين من أجل تمثل وإعادة فهم المفاهيم الإسلامية الأصيلة كالشورى؛ فإذا به يتراجع عن هذا كله في العشرينات على صفحات المنار على وقع انكشاف الوجه الإمبريالي الغربي بعد الحرب العالمية الأولى
[12]. ويفهم من هذا أن رضوان السيد يرجح أن الإسلاميين لا يرفضون المنطلقات الإنسانوية بنيويا وبشكل مطلق وإنما الرفض نتاج الممارسات الإمبريالية التي اقترنت في أذهان هؤلاء بالتبشير والاستشراق والتي أثارت هواجس الهوية، وعليه إذا زالت مخاوف الهوية فإنهم يمكن أن يقبلوا بالمنطلقات الإنسانوية العالمية.
هكذا بينما دخل الفكر الإسلامي مرحلة الانكفاء حول الذات والتي يؤرخ لها منذ الأربعينات كان الفكر الغربي ينزع نحو الانفتاح والبحث عن صيغ للمشتركات الإنسانية أسفرت عن صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948 الذي يؤسس لفكرة القيم الإنسانية التي تقوم على "الحقوق الطبيعية" المركوزة في فطرة الإنسان. وبدوره يقر رضوان السيد أن هناك أوجه قصور تشوب الإعلان أرجعها إلى أن المنتصرين في الحرب العالمية الثانية هم من صاغوا بنوده وهم الذين عهد إليهم بالإشراف على تطبيقها. إلا أنه لا يذهب مذهب الإسلاميين في رفض الإعلان ابتداء لكونه يؤسس لحقوق الإنسان استنادا إلى الحق الطبيعي على حين أن الحقوق في الإسلام تقوم على الضمان الإلهي، فمشكلاته تنحصر لدى السيد في المجال الإجرائي المتعلق بكيفية تطبيق بنوده ومن يقوم عليها.
ينطلق المفكرون الإسلاميون في رفضهم إعلان حقوق الإنسان من أنه لا يجوز إخضاع الإسلام باعتباره دينا خاتما لمرجعية من خارجه؛ فالإسلام له منظومته القيمية الخاصة المكتملة التي تشرع للحقوق والواجبات، ولهذا استندت الإعلانات الإسلامية لحقوق الإنسان التي توالى صدورها تباعا منذ الثمانينات إلى النصوص التأسيسية من قرآن وسنة مما يولد نوعا من التمايز أو بالأحرى انفصالا مع المنظومة القيمية العالمية "فتظل الإعلانات الدولية حقوقا، بينما تصبح الإعلانات الإسلامية تكاليف" ويفصل رضوان السيد في ذلك موضحا أن هناك توافقا بين جميع الإعلانات الإسلامية على التقيد بثلاثة أمور: الالتزام بأحكام الشريعة فيما يتعلق بالمعاملات الأسرية من زواج وطلاق وحضانة أطفال، الإصرار على استخدام المصطلح القرآني والتعبيرات الفقهية في الديباجات، الحرص على إبراز خصوصيات التشريع الإسلامي ومفارقته الكلية للتشريعات الوضعية. وتوحي هذه النقطة الأخيرة إليه بأن الإعلانات الإسلامية قد تكون موجهة للخارج بأكثر مما هي موجهة للداخل أي إلى المجتمع الدولي الذي ينبغي أن يعلم تشديد المسلمين على التمايز والندية بسبب خصوصية نصوصهم، وأعرافهم وبالتالي شخصيتهم؛ فلا يمكن أن يذوبوا في المجتمعات الغربية
[13] وحسب رضوان السيد فإن فكر الهوية هو فكر عقائدي يهتم اهتماما زائدا بالرموز ولا يستطيع الاستغناء عنها، ومن ثم يرفض قطعيا التسويات وأنصاف الحلول بحيث لا يمكنه أن يلتقي مع الآخر على أي مشتركات[14] وتحت تأثير فكر الهوية يتم النظر دوما "إلى القيم الإنسانية العالمية ورمزها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان باعتبارها قيم الآخر المسيحي أو الغربي، وهي في أحسن الأحوال نسبية وخاضعة لإعادة النظر في كل مرة استنادا إلى سلوك المؤسسات الدولية وسلوك القوى الغربية الكبرى تجاه قضايا العرب والمسلمين"[15]
من الواضح إذا أن الموقف الإسلامي يبدو مغايرا للموقف الغربي من المسألة الحقوقية، ولكن هذا التباين والتغاير، حسبما يرجح السيد، يعود إلى أن مشكلاتنا الثقافية مع الغرب ناجمة عن التشابه الشديد في الأصل وليس الاختلاف بمعنى أنه ربما كنا نتزاحم على منطقة واحدة. وهو يستدل على ذلك بما ذهب إليه جورج مقدسي من أن التقليدين الإنسانوي والسكولائي ظهرا في العالم الإسلامي أولا ثم تسربا إلى الغرب عن طريق الأندلس وإيطاليا مع الفارق أنه بينما عرف العالم الإسلامي الحركة الإنسانية أولا ثم تلاها النظام التعليمي؛ فإن أوروبا تعرفت على النظام التعليمي أولا ومن بعده التقاليد الإنسانية.
[16]
وفي ختام هذا الاستعراض الموجز لرؤى رضوان السيد الإنسانوية يمكننا أن نقدم بعض الملاحظات الإجمالية بشأنها، أولها أن النزوع الإنسانوي لديه على درجة من الرسوخ والوضوح بحيث يتعذر ألا نلمحه من وراء سرده التاريخي أو تتبعه للأفكار، وثانيها أنه كثيرا ما أعمل النقد باتجاه الذات أو الداخل الإسلامي كما أعمله باتجاه الآخر وبخاصة فيما يتعلق بقراءته التعسفية للتاريخ الإسلامي. ثالثا يبدو جليا الحضور القوي للآخر في فكر رضوان السيد ولكن بينما يشكل الآخر هاجسا لدى الإسلاميين فإن الآخر يعني لديه تعددية وتوسعة للذات وخروجا من التشرنق حول الذات إلى رحابة المشترك الإنساني.

________

[1] رضوان السيد، الجماعة والمجتمع والدولة: سلطة الأيديولوجيا في المجال العربي الإسلامي (بيروت، دار الكتاب العربي، 1997) ص 12.
[2] رضوان السيد، الإنسان وحقوقه لدى المسلمين والغربيين والمسؤوليات المشتركة، التسامح، العدد الثامن عشر (عمان ، ربيع 2007)، ص 25.
[3] رضوان السيد، الدين والمجتمع والدولة في العلاقات والمصائر والمرجعيات، التسامح، العدد السابع عشر (عمان، ، شتاء 2007) ص 18.
[4] نفس المرجع السابق، ص 18.
[5] رضوان السيد، التعدد والتسامح والاعتراف، نظرة في الثوابت والفهم والتجربة التاريخية، التسامح، العدد الثاني عشر (عمان، خريف 2005) ص 11- 13.
[6] رضوان السيد، التعدد والتسامح والاعتراف، ص 20.
[7] رضوان السيد، الوجوه المتعددة للحرية والوجه الواحد للتبعية، التسامح. ، العدد السابع عشر (عمان، ربيع 2006) ص 15-16
[8] نفس المرجع السابق، ص17
[9] رضوان السيد، التعدد والتسامح والاعتراف، ص 14-15.
[10] نفس المرجع السابق، ص 18.
[11] رضوان السيد، الإنسان وحقوقه لدى المسلمين والغربيين والمسؤوليات المشتركة، التسامح، العدد الثامن عشر (عمان، ربيع 2007)، ص 26.
[12] رضوان السيد، سياسات الإسلام المعاصر: مراجعات ومتابعات (بيروت، دار الكتاب العربي، 1997) ص 249.
[13] نفس المرجع السابق، ص 260.
[14] رضوان السيد، الهوية الثقافية بين الثوابت والمتغيرات، التسامح، العدد الثالث عشر.(عمان، شتاء 2006) ص 31
[15] رضوان السيد، الإنسان وحقوقه لدى المسلمين والغربيين والمسؤوليات المشتركة، ص 33.
[16] رضوان السيد، سياسات الإسلام المعاصر: مراجعات ومتابعات، ص 261.
* نشر بدورية رواق عربي، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، العدد 49-50.

السبت، 30 مايو 2009

جاهينيات

الشوارع حواديت
حواديه الحب فيها
وحودايه...عفاريت
اسمعي يا حلوة لما اضحكك
الشارع دا كنا ساكنين فيه زمان
كل يوم يضيق زيادة عن ما كان
اصبح الآن بعد ما كبرنا عليه
زي بطن الأم مالناش فيه مكان
الشوارع حواديت
حودايه الحب فيها
وحودايه...عفاريت
اسمعي يا حلوة لما أضحكك
الشارع دا رحنا فيه المدرسة
اللي باقي منه باقي
واللي مش باقي...اتنسى
كنسوه الكناسين بالمكنسة
ييجي دور لحظة أسى
أنا برضه كمان نسيت
والشوارع حواديت
حودايه الحب فيها
وحودايه...عفاريت
اسمعي يا حلوة لما أضحكك
الشارع دا أوله بساتين
وآخره حيطة سد
ليا فيه قصة غرام ماحكيتش عنها لأي حد
من طرف واحد...وكنت سعيد أوي
بس حراس الشوارع حطوا للحدودته حد
الشوارع حواديت
حودايه الحب فيها
وحودايه...عفاريت
اسمعي يا حلوة لما أضحكك
الشارع دا شفتك إنتي ماشية فيه
لابسة جيب...وبلوزة وردي
وعاملة ديل حصان وجيه
اتجاهك اتجاهي...مشينا ليه
والشارع دا زحام وتيه
بس لازم نستميت
والشوارع حواديت
حودايه الحب فيها
وحودايه...عفاريت
واضحكي يا حلوة لما اسمّعك

السبت، 10 يناير 2009

القهوة..شراب يتحدى العولمة



القهوة مشروب أصيل رائحته الزكية لا تشبه أي رائحة أخرى ومذاقها متميز إلى الدرجة التي يصعب أن نتصور أن يخلط إنسان بينها وبين أي مشروب آخر، وليس هذا وحده ما يجعلها متفردة بين المشروبات وإنما طقوسها الخاصة في الإعداد بشكل هادئ وبطئ وفي التناول على مهل يضفي عليها سحرا ضافيا، إذ لا يمكن أن يحتسي إنسان فنجان من القهوة وهو غاديا رائحا وإنما لابد له من الجلوس وكأنما هو يحمله على السكون الحركي عنوة وعلى التوقف للتأمل بضع دقائق.

للقهوة عاشقين كثر، وعشقى لها ليس له حدود فهي منذ أكثر من عقد من الزمان تُشكل جزءا لا يتجزأ من طقسي الصباحي، ولا أدري متى نشأت تلك العلاقة بيني وبين القهوة لكني أعلم أنها علاقة وجدت لتبقى فهو يبعث فيّ إيحاء بالحيوية ويثير بداخلي بواعث التفكير الهادئ .

ارتبطت القهوة بالشرق وتاريخه الإسلامي في عصوره الزاهرة وباتت رمزا من رموزه الثقافية الدالة عليه، ليست هذه قناعتي الشخصية وإنما هي أطروحة ساقها كتاب الإسلام في بريطانيا صدر عن المشروع القومي للترجمة وهو يتناول المد الثقافي الإسلامي في أوروبا العصر الوسطى، حيث أوضح أن الكنيسة الكاثوليكية قد انزعجت من انتشار القهوة -بين الرجال - الأوروبيين وأنها حذرتهم من غضب الرب عليهم في حال استمرارهم في احتسائها في ظل نفور من الزوجات لهذا المشروب الشرقي وتفضيلهن الخمر عليها. ويخيل إليّ أن الكنيسة قد اعتبرت أن انتشار القهوة إدخالا لعنصر ورمز من رموز الثقافة الإسلامية يشكل تهديدا للهوية المسيحية الغربية؛ إذ المشروبات والأطعمة والملابس ليست بمعزل عن التأثيرات الثقافية الخاصة بالشعوب والمجتمعات.

في الجهة المقابلة تقفز إلى ذاكرتي ما ذهب إليه توماس في كتابه لاكزس والزيتونة من أنه ليس هناك بلدان متجاوران قد افتتحا سلسلة مطاعم ماكدونالدز الأمريكية خاضا حربا ضد بعضهما البعض حتى وإن كان بينهما إرث طويل من العداوة. وهذا الكلام على درجة من الوضوح الكافي لتبين هذه المطاعم لا تقدم طعاما مجردا وإنما تقدم معه قيما معينة وسلوكيات تطمس الموروثات الثقافية للشعوب، وتغرس قيما كونية بديلة محلها.


انظر إلى المكتب أمامي وأري فنجان القهوة وأهتف عشتِ دوما وأبدا عصية على العولمة.


أميرة القهوة

اسلوب غزة في إعلان جدارتها بالحياة


محمود درويش

تحيط خاصرتها بالألغام..وتنفجر.. لا هو موت، ولا هو انتحار، إنه أسلوب غزة في إعلان جدارتها بالحياة.
منذ أربع سنوات ولحم غزة يتطاير شظايا قذائف، لا هو سحر، ولا هو أعجوبة، إنه سلاح غزة في الدفاع عن بقائها، وفي استنزاف العدو، ومنذ أربع سنوات والعدو مبتهج بأحلامه.. مفتون بمغازلة الزمن.. إلا في غزة؛ لأن غزة بعيدة عن أقاربها ولصيقة بالأعداء؛ لأن غزة جزيرة كلما انفجرت وهي لا تكف عن الانفجار، خدشت وجه العدو، وكسرت أحلامه وصدته عن الرضا بالزمن؛ لأن الزمن في غزة شيء آخر؛ لأن إنه الزمن في غزة ليس عنصرًا محايدًا إنه لا يدفع الناس إلى برودة التأمل، ولكنه يدفعهم إلى الانفجار، والارتطام بالحقيقة.الزمن هناك لا يأخذ الأطفال من الطفولة إلى الشيخوخة، ولكنه يجعلهم رجالاً في أول لقاء مع العدو، ليس الزمن في غزة استرخاء، ولكنه اقتحام الظهيرة المشتعلة.
وغزة أدمنت معرفة هذه القيمة النبيلة القاسية، لم تتعلمها من الكتب، ولا من الدورات الدراسية العاجلة، ولا من أبواق الدعاية عالية الصوت، ولا من الأناشيد، لقد تعلمتها بالتجربة وحدها، وبالعمل الذي لا يكون إلا من أجل الإعلان والصورة، إن غزة لا تباهي بأسلحتها وثوريتها وميزانيتها، إنها تقدم لحمها المر وتتصرف بإرادتها وتكسب دمها، وغزة لا تتقن الخطابة.
ليس لغزة حنجرة.. مسام جلدها هي التي تتكلم عرقًا ودمًا وحرائق.
من هنا يكرهها العدو حتى القتل، ويخالفها حتى الجريمة، ويسعى إلى إغراقها في البحر، أو في الصحراء، أو في الدم.من هنا يحبها أقاربها وأصدقاؤها على استحياء، يصل إلى الغيرة والخوف أحيانًا؛ لأن غزة هي الدرس الوحشي والنموذج المشرق للأعداء والأصدقاء على السواء، ليست غزة أجمل المدن، ليس شاطئها أشد زرقة من شواطئ المدن العربية، وليس برتقالها أجمل برتقال على حوض البحر الأبيض، وليست غزة أغنى المدن، وليست أرقى المدن، وليست أكبر المدن، ولكنها تعادل تاريخ أمة؛ لأنها أشد قبحًا في عيون الأعداء، وفقرًا وبؤسًا وشراسة؛ لأنها أشدنا قدرة على تعكير مزاج العدو وراحته؛ لأنها كابوسه، لأنها برتقال ملغوم، وأطفال بلا طفولة، وشيوخ بلا شيخوخة؛ ونساء بلا رغبات؛ لأنها كذلك، فهي أجملنا وأصفانا وأغنانا وأكثرنا جدارة بالحب.
نظلمها حين نبحث عن أشعارها فلا نشوهن جمال غزة، أجمل ما فيها إنها خالية من الشعر، في وقت حاولنا أن نننتصر فيه على العدو بالقصائد، فصدقنا أنفسنا وابتهجنا حين رأينا العدو يتركنا نغني، وتركناه ينتصر ثم جففنا القصائد عن شفاهنا، فرأينا العدو، وقد أتم بناء المدن والحصون والشوارع، ونظلم غزة حين نحولها إلى أسطورة؛ لأننا سنكرهها حين نكتشف أنها ليست أكثر من مدينة فقيرة صغيرة تقاوم، وحين نتساءل ما الذي جعلها أسطورة.
ليست لغزة خيول، ولا طائرات، ولا عصى سحرية، ولا مكاتب في العواصم، إن غزة تحرر نفسها من صفاتنا ولغتنا، ومن غزاتها في وقت واحد، وحين نلتقي بها ـ ذات حلم ـ ربما لن تعرفنا؛ لأن غزة من مواليد النار، ونحن من مواليد الانتظار، والبكاء على الديار، صحيح أن لغزة ظروفًا خاصة، وتقاليد ثورية خاصة، ولكن سرها ليس لغزًا، مقاومتها شعبية متلاحمة، تعرف ماذا تريد "تريد طرد العدو من ثيابها".لم تقبل وصاية أحد، ولم تعلق مصيرها على توقيع أحد، أو بصمة أحد، ولا يهمها كثيرًا أن نعرف اسمها وصورتها وفصاحتها، لم تصدق أنها مادة إعلامية، لم تتأهب لعدسات التصوير ولم تضع معجون الابتسام على وجهها.
قد ينتصر الأعداء على غزة، وقد ينتصر البحر الهائج على جزيرة، قد يقطعون كل أشجارها، قد يكسرون عظامها.. قد يزرعون الدبابات في أحشاء أطفالها ونسائها، وقد يرمون في البحر أو الرمل أو الدم، ولكنها لن تكرر الأكاذيب ولن تقول للغزاة: نعم وستستمر في الانفجار.
لا هو موت، ولا هو انتحار، ولكنه أسلوب غزة في إعلان جدارتها بالحياة.