‏إظهار الرسائل ذات التسميات نسوية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات نسوية. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 20 أغسطس 2014

مشاهدات مواطنية من الثورة المصرية


هذه المشاهدات  سُجلت ونشرت قبيل الحادي عشر من فبراير 2011، وقد طواها الزمان الآن، وأعيد نشرها الآن للتاريخ، لعل من يأتون بعدنا يعيدون قراءة المشهد بشكل أفضل.

هناك كثير من المشاهد التي يمكن أن تروى حول وقائع الثورة المصرية التي اندلعت في الخامس والعشرين من يناير غير أني سأتخير هنا بعضا من مشاهداتي التي تتعلق بمشاركة المرأة والأقباط، ومن ثم أعمد إلى توظيفها في سياق مناقشة أزمة المواطنة التي كثر الحديث عن أنها تعاني مأزقا عبرت عنه التوترات الطائفية، والمطالبات بإدماج المرأة في الحياة العامة. ومن المهم أن نشير ابتداء إلى أننا ننطلق من افتراض أولي ألا وهو أن أزمة المواطنة في مصر تبرز –بل وتشتد- في ظل غيبة القضايا الكلية الجامعة التي يمكن أن ينضوي الجميع تحت لوائها على اختلاف انتماءاتهم، على حين أن التوافق حول هذه القضايا والالتفاف حول أهداف وطنية محددة من شأنه تنحية أو بالأدق تراجع المطالب الفئوية لصالح تقدم المطالب الوطنية، وبعبارة أخرى فإن أزمة المواطنة ليست إلا نتاج اختفاء الهدف القومي الجامع الذي يستطيع أن يوحد بين جميع فئات المجتمع.
المرأة.. من التمثيل الرمزي إلى الحضور الفاعل
ولنبدأ بموقف المرأة التي كان حضورها على درجة من البروز بحيث لا تخطئه عين المراقب فضلا عن المشاهد العادي؛ ففي ميدان التحرير لوحظ أن المشاركة النسائية اتسمت بالديمومة حيث قدرت أعداد المتظاهرات بالألاف وهذا العدد يرتفع ليصل إلى عشرات الألوف في التظاهرات الضخمة، وهو ما يعني بالضرورة تنوعا في الشرائح العمرية – وإن كانت الغلبة للشابات- وفي الانتماءات الفكرية والأصول الاجتماعية، وفي التعبيرات المظهرية حيث يتسع المشهد ليضم غالبية من المحجبات إلى جوار غير المحجبات وانتهاء بنسبة ضئيلة من المنتقبات.
واللافت أن حضور النساء لم يكن حضورا تمثيليا تجميليا كما اعتدنا أن نشاهد لدى بعض أطياف المعارضة وإنما كان حضورا فاعلا اتخذت فيه النساء مواقع متقدمة في صفوف المنتفضين أمام قوات الأمن وفي المظاهرات الحاشدة بعد ذلك، وقد سمح هذا الموقع المتقدم أن تقوم النساء بأدوار غير تقليدية كرشق قوات الأمن بالحجارة والاشتباك معها أو الهتاف الحماسي، أوحفز المتظاهرين أو إمدادهم بالمواد الإسعافية (مناديل ورقية، خل، بيبسي كولا) ومن هنا سقط بعضهن في المواجهات وتعرضن للتنكيل على يد عناصر الأمن، كما وجدت طائفة من الأدوار الأخرى ترتبط بالتخطيط والإعداد للحدث والمشاركة في رفع الصور والمشاهد على شبكة الإنترنت، وكما نلحظ فإن بعض هذه الأدوار تعد غير معهودة وكانت تعد أدوارا رجالية من قبل.
وتقريبا للصورة وانتقالا بها من التعميم إلى التخصيص سأقف أمام مشهدين مختلفين، المشهد الأول: حدث يوم الجمعة الثامن والعشرون من يناير وكان في منطقة المطرية الواقعة في شرق القاهرة حيث تجمع المتظاهرون أمام المسجد الكبير ولوحظ مشاركة نسائية ضعيفة مالبث أن اتسع نطاقها بعد ذلك، ومن بين الجموع برزت امرأة تبدو في العقد الخامس تتحدث بكلمات مختنقة بالبكاء يسمعها من حولها من أنها اغتربت عن وطنها لسنوات طويلة لأجل "لقمة العيش" وحتى تنفق على تعليم أبنائها إلى أن تخرجوا من الجامعة والآن لا يجدون عملا ولا تجد هي ما تنفقه، وبمضي الوقت يزداد توتر الأجواء فيلقي جنود الأمن المركزي على المتظاهرين بأعداد كبيرة من الرصاص المطاطي وقنابل الغاز المسيل للدموع ولكن هذا لا يفت في عضد السيدة على حين يحاول بعض الرجال النكوص والتراجع فتتصدى لهم السيدة بجسدها صائحة من يتراجع ليس برجل وتدفعهم مرة تلو الأخرى إلى الثبات وتظل على حالها أربع ساعات كاملة ولا تبرح مكانها إلا مع شروع الشباب في الانقضاض على عناصر الشرطة وسحق آلتها العسكرية.
المشهد الثاني تمت وقائعه في ميدان التحرير أثناء التظاهرة المليونية حيث برزت من بين التجمعات امرأة في منتصف العمر تقريبا وبصوت عال استطاعت هذه المرأة أن تختطف الهتاف من الشباب وما كان ذلك ليتم لولا أنها تمتعت بمهارات ارتجالية وقدرة على الأداء الحركي التمثيلي، وظلت السيدة تصوغ شعارات زجلية حماسية وتؤديها لفترة طويلة وقد اتسعت دائرة الشباب حولها وما إن أصابها التعب حتى خرجت إحدى الفتيات الشابات واحتلت مكانها في وسط الدائرة.
وحول هذين المشهدين هناك مشاهد متناثرة حول النساء البسيطات اللواتي دعمن المتظاهرين بالمواد الأولية وهتفن ضد النظام، بل وبعضهن شارك في رشق الجند بالحجارة وكل ذلك من شرفات المنازل.
استخلاصا مما سبق يمكن أن نجمل عددا من السمات ميزت المشاركة النسائية في الانتفاضة المصرية وهي كالتالي:
أولا: اتساع قاعدة المشاركة النسائية لتشمل فئات عريضة تتباين في السن والتعليم والطبقة والانتماء العقدي والفكري.
ثانيا: انتقال المشاركة من مستوى التمثيل الرمزي إلى مستوى الحضور الفاعل وهذا ما يبدو في عدد من الأدوار الجديدة والتي كان أهمها الدخول في اشتباك مباشر مع قوات الأمن.
ثالثا: يرتبط بهذا تحطم عدد من الصور الذهنية الشائعة عن المرأة والمتعلقة بعزوفها عن الانخراط في الشأن العام وصورية مشاركتها السياسية وأنها بحاجة إلى تمكين من قبل الدولة حتى تستطيع ممارسة دورها المجتمعي، كما لوحظ تحطم تابو عدم المساس بالمرأة من جانب قوات الأمن أو الميلشيا التابعة لها.
الأقباط.. من المطالبات الفئوية إلى المطالب الوطنية
هذا فيما يخص موقف المرأة أما ما يتعلق بموقف الأقباط فهو على درجة أكبر من التعقيد لاعتبارات صعوبة تحديد أعداد المشاركين منهم لكون الجميع انضوى تحت مظلة جامعة لا تسمح بالتعرف على هوية الفئات التي تظلها، يضاف لذلك أن موقف الكنيسة الرسمي قد حرم عددا من رجال الدين المسيحي الراغبين في التظاهر من المشاركة، وهو ما كان يمكن أن يعبر عن الحضور المسيحي بشكل علني واضح. ورغم هذا فإننا يمكن أن نقدر أن هناك حضورا مسيحيا معقولا يمكننا رصده مستندين إلى أنه من المنطقي أن تكون هناك نسبة من الفتيات غير المحجبات مسيحيات، بالإضافة إلى أن الحضور المسيحي أعلن عن نفسه حين قام بعض المسيحيين بتأدية الصلاة في ساحة ميدان التحرير بالتساوق مع قيام المسلمين بتأدية فريضة الجمعة في ذات الميدان.
وبعيدا عن مسألة تعداد المسيحيين شهدت ساحة ميدان التحرير مواقف عبرت عن حالة من التوحد والاندماج بين المصريين على اختلافهم وقد بدا ذلك في الشعارات والهتافات التي تشير إلى وقوفهم جميعا يدا واحدة كما بدا في الكثير من اللافتات التي تجمع بين الهلال والصليب. وقد تجاوزت حالة التوحد جموع المتظاهرين إلى أفرادهم وفي هذا السياق يمكن انتخاب مشهدين، الأول يتركز حول تلك اللافتة التي رفعها شاب مسلم في أحد التظاهرات ونصها كالتالي: أنا إسلام وأخي صامويل نعيش معا ونموت معا. والثاني ما رواه إمام مسجد بمنطقة المطرية من أن بعض المسيحيين قد دخل المسجد ليتبرع بدمه للمصابين في المواجهات مع الشرطة يوم جمعة الغضب.
هذان المشهدان يكشفان مدى الالتحام الحاصل بين المسلمين والمسيحيين في هذه الثورة التي يصعب أن نميز فيها بين من هو مسلم ومن هو مسيحي وهو مشهد يعيد إلى الأذهان حوادث ثورة 1919 حين دخل القمص سرجيوس الجامع الأزهر ليعبر عن تضامن المسيحيين والمسيحيين في مواجهة الاحتلال البريطاني.
المحصلة النهائية التي نخلص إليها هي أن أزمة المواطنة قد توارت إلى حد بعيد في الأيام القليلة الماضية حيث نحجت هذه الثورة في أن توحد صفوف المصريين جميعا على نحو استطاع معه كل من النساء والأقباط أن ينحيا جانبا المطالب الفئوية الخاصة ويقدما المطالب الوطنية وهذه احدى أهم المكتسبات التي تحققت في هذه الثورة والتي يتوجب أن نتخذها قاعدة للانطلاق في المرحلة المقبلة وهو ما يجب أن نفكر فيه مليا لئلا نضيع أهم مكتسباتنا. 

 

الأحد، 23 نوفمبر 2008

من صيغة الأنثى.. إلى صيغة مواطن!!


المنامة هالة كمال الدين

الإشادة التي جاءت على لسان الرئيس الأمريكي جورج بوش بتطور واقع المرأة البحرينية، وتأكيده أن سيدة الأعمال البحرينية هدى جناحي التي أدرجت على قائمة أقوى سيدات الأعمال في العالم تعد مفخرة للنساء في العالم العربي، إن دلت على شيء فإنما تدل على ما حظيت به المرأة البحرينية من دعم وتقدير خلال السنوات الأخيرة التي انطلق خلالها المشروع الإصلاحي للملك. فبالفعل استطاعت المرأة البحرينية خاصة والخليجية عامة خلال الفترة الأخيرة أن تضع قدميها على الطريق، وان تنطلق في عالم السياسة والاقتصاد بخطى ثابتة، وذلك رغم وجود الصيحات التي تطالب بتكسير أجنحتها، إلا أنها وبفضل عزمها على التحليق في عالم الانجازات، تمكنت من أن تترك بصماتها، حتى لو كانت بصمات باهتة في بعض الأحيان!
هذا ما أكده أيضا كتاب (تمكين المرأة الخليجية، جدل الداخل والخارج) من تأليف فاطمة حافظ والصادر عن مركز الإمارات للدراسات والذي نشر مؤخرا في جريدة أخبار الخليج ملخص لمضمونه. تقول المؤلفة ان منطقة الخليج العربي شهدت مع بداية الألفية الجديدة تطورات حثيثة يمكن وصفها بأنها الأبرز على صعيد تمكين النساء في العالم العربي بأسره، ففي بضع سنين فاق حجم المتغيرات وما خلفته من تأثيرات جملة ما تحقق في أوضاع النساء طوال عقود، وتحديدا منذ انتهاج دول هذه المنطقة سياسة تعليم الفتيات. ما يشد الانتباه من وجهة نظر الكاتبة هو تبني جهات عديدة داخلية وخارجية سياسة تمكين المرأة في الخليج، مما يحمل دلالتين، الأولى وجود تغير بنيوي طرأ على رؤيتها المتعلقة بادوار النساء ووظائفهن بالتحول من صيغة الأنثى إلى صيغة المواطن، وذلك بعد المرور بأزمات عميقة لتقبل هذا التحول، والدلالة الثانية ترتبط بالتأييد الجارف الذي باتت تلقاه سياسة تمكين المرأة الخليجية من قبل جهات ومؤسسات أجنبية، حيث احتلت قضية تمكين المرأة الخليجية في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر موقعها على أجندة السياسة الغربية، وفي القلب منها الولايات المتحدة الأمريكية. لعل أهم ما تطرقت إليه الكاتبة هو تأكيدها أن أوضاع النساء في دول الخليج تظل رهنا بالإرادة السياسية للدولة، ولا يحكمها التصديق على المواثيق والمعاهدات الدولية، بدليل أن قطر وعمان لم توقعا اتفاقية مناهضة كل أشكال العنف ضد المرأة (السيداو)، ورغم ذلك تصنف أوضاع المرأة بهاتين الدولتين بأنها الأفضل خليجيا. إذن العبرة ليست بالقوانين والاتفاقيات.. وإنما بالإرادة والقناعة.. والثقافة السائدة..! فهنيئا لهدى جناحي.. ولكل امرأة انتصرت في معركة التمكين!
نشر بجريدة أخبار الخليج

فاطمة حافظ في «تمكين المرأة الخليجية: جدل الداخل والخارج» تمكين المرأة الخليجية إجراء تجميلي كاذب



المنامة - سامية الجبالي
على رغم أنها تعمل على تقديم المرأة في قالب يرضي المنظمات الدولية، فإن هذه الصورة التي تقدمها غالبية الدول الخليجية لا تتعدى كونها «إجراءات تجميلية المقصود منها التدليل على أن مؤسسة الدولة تتبع نهج الحداثة السياسية».وتشير الباحثة فاطمة حافظ في كتابها «تمكين المرأة الخليجية: جدل الداخل والخارج» الذي يندرج ضمن العدد 128 من سلسلة «دراسات استراتيجية» الصادر عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، إلى أن الحكومات الخليجية تسارع في عمليات تمكين المرأة داخل مؤسسات الدولة من دون أن تهتم بتهيئة المناخ الاجتماعي المناسب لتبني هذه العمليات وإنجاحها. وتخلص الكاتبة في دراستها إلى أن تمكين المرأة يخضع لاتجاهين متضادين، اتجاه أول يسعى إلى إقرار المساواة بينها وبين الرجل على مستوى الفرص الوظيفية والأجور، في مقابل اتجاه ثان يكرس التفرقة الوظيفية بين الجنسين على مستوى الترقيات الذي يستأثر به الرجال، وذلك على رغم حصول المرأة الخليجية على حصص متقدمة من التعليم.يحتوي كتاب «تمكين المرأة الخليجية: جدل الداخل والخارج» على 92 صفحة تطرقت فيها حافظ إلى مفهوم التمكين، إذ انتهت إلى تأكيد أن التمكين هو عبارة عن «مرحلة انتقالية» تطبق فيها مجموعة من السياسات العامة والإجراءات الهادفة إلى «دعم مشاركة المرأة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية من أجل تجاوز وضعية الاستضعاف والتهميش التي توارثتها منذ قرون».كما تناولت الباحثة بالدرس مختلف المراحل والاتجاهات التي مرت بها قضايا المرأة الخليجية، وعمدت بموجب ذلك إلى تقسيمها إلى ثلاث مراحل رئيسية هي على التوالي: مرحلة ما قبل النفط التي تميزت بغياب المرأة عن الإطار العام على رغم بروز بضعة تمظهرات وعي نسوي في المنطقة وخصوصا في البحرين والكويت، لكن الكاتبة تقر بأن هذه الحقبة التاريخية لم تشهد بروز مطالب جدية وجادة بحقوق المرأة.المرحلة الثانية هي مرحلة النفط، وهي المرحلة التي شهدت فيها المنطقة وفرة اقتصادية أثرت نسبياً على المستوى الاجتماعي، ذلك أن أوضاع المرأة لم تتغير إلا على المستوى الكمي، إذ مكّنت المرأة من فرص التعليم والعمل ولكن في إطار تقليدي يكرّس الرؤى التقليدية للمرأة، وهو ما اعتبرته الكاتبة «تحديثاً قشرياً زائفاً»، أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة ما بعد النفط، وهي المرحلة التي علت فيها أصوات النساء في الخليج دفاعاً عن حقوقهن ومطالبة بالتغيير الاجتماعي، ولكن هذه المطالبات لم تتنصل من المرجعيات الدينية، إذ إن كل المطالب كانت تنضوي تحت إطار ديني.في القسم الثالث من الكتاب تعرضت الكاتبة إلى مختلف السياسات التي انتهجتها الدول الخليجية في تمكين المرأة، إذ انتهت إلى تأكيد أن غالبيتها لم يراع تهيئة البيئة الاجتماعية والمجتمعية التي من شأنها أن تحتضن المثال النسوي العالمي، وهو المثال الذي تقيّم فيه المرأة بالاستناد إلى ما تمتلكه من كفاءة.وتختم الباحثة دراستها بالحديث عن «قوى العولمة وتمكين المرأة الخليجية»، إذ تشير إلى أن حوادث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول دفعت قدماً بقضايا المرأة العربية والخليجية خصوصاً، إذ اعتبرت الأمم المتحدة قضايا المرأة «شاغلاً إنمائياً جدياً» عملت بمقتضاه على الترويج لعدد من المفاهيم المرتبطة برؤيتها التنموية الخاصة، وتذهب الكاتبة إلى تأكيد أن أكثر الإشكالات التي اعترضت الأمم المتحدة في تطبيقها لأجندتها تكمن في تعاملها «التهميشي مع الدين».

مقال منشور بجريدة الوسط البحرينية : العدد 2134 الخميس 10 يوليو 2008 الموافق 7 رجب 1429


أوقاف النساء.. ميراث من الفاعلية

فاطمة حافظ
هناك افتراض شائع مؤداه أن حالة من السلبية والتواكل والانكفاء حول الذات قد غلبت على مشاركة المرأة في التاريخ الإسلامي، وهو الافتراض الذي تحول إلى قناعة رسختها سلسلة من الأدبيات التاريخية مثل: ألف ليلة وليلة، والمؤلفات الباكرة للمستشرقين. وتمتد حالة السلبية والاستضعاف إلى الواقع المعاصر -وفقا لرؤية الأمم المتحدة - التي تجمع تقاريرها أن المرأة المسلمة تعاني من التهميش التاريخي المتجذر في بنية الثقافة الإسلامية، وبفعل التهميش تم إقصاؤها من عملية التنمية واستبعادها من المشاركة في الموارد الاقتصادية. وإذا ما أريد النهوض بواقع المرأة ينبغي أن يتم دمجها في عملية التنمية الاقتصادية إذ هي السبيل الوحيد للنهوض بأوضاعها.
تلك بإيجاز مجمل رؤية المنظمة الدولية لواقع المرأة المسلمة، وإشكاليتها الأساسية تجاهلها أن تعدد الثقافات لابد أن ينتج عنه اختلاف في أشكال الممارسة التاريخية، ذلك أنها تنطلق من رؤية أحادية للتاريخ هي الرؤية الغربية ، وعلى ضوئها تتم محاكمة ومقاضاة تاريخ الشعوب والحضارات الأخرى، فما توافق منه مع التاريخ الغربي اعتبر تقدما وما اختلف عنه عُد تخلفا.
وانطلاقا من تلك الرؤية المبتورة أحجمت الأمم المتحدة عن النظر إلى الوقف باعتباره تجربة تنموية إسلامية، وخبرة تاريخية لم تعهدها الحضارة الغربية، وتجاهلته كلية في إطار تقاريرها وبياناتها التي تصدرها والمعنية برصد واقع التنمية في البلاد الإسلامية وعلاقة المرأة بها؛ وهذا الإحجام له ما يبرره إذ أن الإتيان على دور المرأة في الوقف يبدد الادعاءات القائلة بتهميش المرأة وينفي سلبيتها ويبرز فاعليتها. وإزاء هذا التجاهل فإننا نجد أن هناك ضرورة ملحة في التعريف بماهية الوقف وإسهام النساء خلاله.
الأوقاف: المنشأ والوظيفة

الوقف لغويا هو الحبس، ويعني في الشريعة حبس المال أو وقفه سواء كان على شكل عقار أو محل تجاري أو غيرهما لينفق من ريعه على من يحتاج من طلاب العلم أو اليتامى والأرامل وغيرهم كنوع من أنواع الصدقة الجارية.
وقد تزامن ظهور الوقف مع البدايات الأولى لتشكل المجتمع الإسلامي بمؤسساته وتنظيماته فلم ينشأ سابقا عنه أو لاحقا له؛ إذ روي عن الإمام الشافعي قوله "لم يكن أهل الجاهلية يوقفون". وينظر إلى الوقف باعتباره المؤسسة الإسلامية الأكبر لرعاية الفئات والشرائح المجتمعية الأضعف في المجتمع (الفقراء، اليتامى، الأرامل) وهو يتسم بصفات خاصة تميزه عن غيره من تنظيمات المجتمع المدني الحديثة الوافدة من الغرب، ومن أهمها
1- الوقف نظام (عقائدي/اجتماعي) ارتبط بالقيم القرآنية مثل التراحم، التواد، الإحسان وميزته الأساسية أنه استطاع الانتقال بهذه القيم من الإطار النظري إلى حيز الممارسة الواقعية التي جسدتها مؤسسات الوقف الخيرية.
2- انتشر الوقف في جميع أنحاء العالم الإسلامي دون استثناء فأينما وجد الإسلام وجد معه الوقف، وبفعل انتشاره لم تكن المشاركة فيه قاصرة على فئات بعينها دون أخرى فقد أسهم فيه ذوي الشرائح الوسطى إلى جانب الأغنياء، كما انخرطت فيه النساء إلى جوار الرجال سواء بسواء.
3- وفر الوقف مساحة الاستقلالية للمجتمع في مقابل الدولة؛ ولذلك عندما عجزت الدولة عن الوفاء باحتياجاتها في فترات تدهورها استطاعت المؤسسات الوقفية أن تنهض بهذه المهمة بديلا عن مؤسسة الدولة؛ فكانت لها اليد الطولى في مجالات مثل: التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية.
4- يتسم الوقف بالأصالة والعراقة فقد نشأ في ظل الأمة وتطور معها وأوجد له منظومة فقهية كاملة تدور في فلكه، وبالتالي هو ليس مفهوما وافدا وطارئا مثل " المجتمع المدني" الذي يفتقر إلى الشرعية الدينية والقبول الاجتماعي حيث أن بعضا من أسسه لا تتفق مع المبادئ الإسلامية.

الفاعلية النسائية

المتابع لموضوع الوقف لا يدهشه حجم المشاركة النسائية الواسعة فيه سواء من حيث المبادرة إلى بناء الأوقاف أو إدارة المنشآت الوقفية. وهو ما يفسره البعض على ضوء الطبيعة العاطفية للنساء وأنهن الأكثر تأثرا بحاجة الغير، على حين يرجعها آخرون إلى الفاعلية النسائية والرغبة في الإسهام العمراني الذي حث عليه الإسلام.
وتعود الإسهامات الوقفية النسائية الأولى إلى أمهات المؤمنين رضي الله عنهن فهن أول من أوقف من النساء، على حين تؤول أول إدارة نسائية للوقف إلى أم المؤمنين السيدة حفصة رضي الله عنها التي عهد إليها الخليفة عمر بن الخطاب بمهمة الإشراف على بعض الأوقاف التي يملكها في حال وفاته؛ فدلل هذا على جواز ولاية المرأة للوقف.
على امتداد التاريخ الإسلامي لم تتوقف إسهامات النساء في الوقف، وكما تشير الإحصاءات فإن أوقاف النساء تبلغ حوالي 25 بالمائة من حجم الأوقاف الحالية في العالم الإسلامي، ويبدو أن هذه النسبة تمثل متوسط المشاركة النسائية إذ ترتفع النسبة في الدول الخليجية حتى تصل إلى 40 بالمائة. وهو إن دلل على شيء فهو أن نساء الخليج لسن سلبيات كما تروج وسائل الإعلام، وإنما يشغلهن هاجس المشاركة في العمل العام ولكنه يظل مضمرا في ظل التغطية الإعلامية المبتورة.
الاستثمار في المعرفة

عرف عن النساء أنهن أوقفن في كافة مجالات الوقف فلم تكن إسهاماتهن قاصرة على مجال دون آخر ولكننا نلمس أن هناك حضورا نسائيا مميزا في مجال إنتاج المعرفة ونشر العلم ويكفي أن ندلل على ذلك بالسيدة فاطمة الفهرية التي أوقفت لبناء جامع القرويين الذي أضحى أول جامعة في المغرب العربي.
ومن فاطمة الفهرية في القرن السابع الميلادي إلى فاطمة ابنة الخديوي إسماعيل في القرن العشرين التي أوقفت لبناء جامعة القاهرة العريقة؛ مرورا بعدد ضخم من الواقفات في مجال إنشاء المدارس والمكتبات، نلمس امتداد تاريخيا وتراثا من الفاعلية النسائية متصلا من السلف إلى الخلف يعبر عن الإيمان بالرسالة الحضارية للأمة.
المشاركة النسائية بين الانضباط والانحراف

وعلى الرغم من اتساع دور النساء الوقفي؛ فقد ظل هذا الدور منضبطا على الدوام بضوابط معينة لم تحرفه عن مساره، فقد انطلق من الإسلام وقيمه، وارتبط بالأمة وقضاياها، ولم يتحول في أي مرحلة من مراحله إلى إنتاج خطاب نسوي ينفلت عن خطاب الأمة العام أو يشذ عن ثوابتها الأخلاقية، ولم يجد يوما أي أرضية تجمعه مع أعداء الأمة. وهو ما تفتقر إليه الممارسات النسوية المعاصرة التي تبنت الطرح الغربي الذي تروج له الأمم المتحدة، فانتهجت بذلك سبيلا يشق الأمة ويفرق بين نساءها ورجالها، وتبنت مزاعمه بشأن سلبية دور المرأة في التاريخ الإسلامي دون أن تنظر إلى الوقف باعتباره نموذجا تجلت فيه الفاعلية النسائية في أوضح صورها.
نشر بموقع لواء الشريعة

يوم المرأة العالمي: مقاربة إسلامية

فاطمة حافظ
ما إن يحل شهر مارس من كل عام حتى يتجدد معه الجدل حول اليوم العالمي للمرأة بين المؤيدين والمعارضين، ويرتبط هذا الجدل بالنقاشات الدائرة حول اتفاقية مناهضة كافة أشكال التمييز ضد المرأة ومؤتمر بكين وغيرها من الفعاليات النسوية الأممية؛ فما الذي يعنيه ذلك اليوم، وما هي الدلالات التي يحملها؟ وكيف يتم توظيفه سياسيا من قبل بعض الجهات الدولية؟
تعود الجذور التاريخية ليوم المرأة العالمي إلى تلك التظاهرات التي قامت بها عاملات النسيج في المصانع الأمريكية في الثامن من مارس (1857) للمطالبة بخفض عدد ساعات العمل ورفع الأجور، وهي التظاهرات التي تجددت في نيويورك بعد مرور ما يقرب من نصف قرن وتحديدا عام (1909) حين تظاهرت النساء للمطالبة بحقوقهن الاقتصادية التي أضيفت إليها الحقوق السياسية وبخاصة منح النساء حق الاقتراع العام.
وقد اصطبغت تلك التظاهرات النسائية بصبغة يسارية إذ أن المشاركات فيها كن عضوات في الحزب الاشتراكي الأمريكي ورددن الشعارات الماركسية، ولهذا جرى أول احتفاء بهذه التظاهرات من قبل الكومنترن (التنظيم الاشتراكي الدولي). وما إن نجحت الثورة البلشفية في روسيا حتى جرى تخصيص يوم للمرأة الروسية.
أما على صعيد الحركة النسوية الأوروبية فقد رأت المجتمعات في المؤتمر النسائي الدولي أن التظاهرات الأمريكية التي تصادف وقوعها في الثامن من مارس يمكن أن تصبح يوما للمرأة، وعلى هذا جرى الاحتفال بهذا اليوم للمرة الأولى عام (1910)، غير أن الاحتفال لم يتخذ طابعه الأممي إلا مع إقراره من قبل الأمم المتحدة يوما "عالميا" للمرأة عام ( 1977) بعد أن ظل الاحتفال به قاصرا على العالم الغربي.
هناك عدد من التساؤلات تفرض نفسها في هذا السياق، ومنها لماذا تم اختيار هذا اليوم تحديدا وكان بالإمكان اختيار يوم يرتبط بانخراط النساء في مناسبة وطنية، ولماذا لم يتم الالتفات إليه إلا بعد مضي عقود، ولماذا تم تعميم هذا اليوم على العالم بأسره ؟ وهي تساؤلات قد لا تفهم إلا في سياق محاولة بعض الدول الغربية فرض منظورها على الأمم المتحدة في النظر إلى قضايا المرأة باعتبارها قضايا دولية، وأداة من أدوات التدخل السياسي للضغط على بعض الدول النامية.
وبغض النظر عن السياق الذي تم فيه اعتبار هذا اليوم مناسبة عالمية؛ فإن هناك عددا من الملاحظات المرتبطة بالواقع العربي الإسلامي يمكن أن نوجزها على النحو التالي:
أولا: أفضى تخصيص الأمم المتحدة يوما عالميا للمرأة إلى تحوله إلى احتفالية كبرى تشارك فيها النساء على اختلاف أجناسهن وثقافتهن، وهنا لابد أن نشير إلى أن فلسفة الاحتفال في الإسلام لا تقوم على تلك النظرة التجزيئية؛ فليس هناك أياما تحتفل فيها النساء وأياما أخر يحتفل بها الرجال؛ فالاحتفال يرتبط بمناسبة دينية ويشمل الأمة بأسرها رجالها ونساءها وأطفالها؛ فيصبح أداة للتوحيد بدلا من أن يكون معولا للتفريق والتمزيق بين عناصر الأمة. من جانب آخر فإن تخصيص يوم للمرأة يعني أن هذا اليوم يعد "استثناء" بين الأيام حيث تحظى فيه النساء بالتكريم أما بقية الأيام فإنهن محرومات من التقدير، وهذه الرؤية تتنافى مع تعاليم الشريعة التي تنظر للإنسان ذكرا كان أم أنثى باعتباره مستحقا للتكريم والاحترام انطلاقا من مبدأ الاستخلاف الإلهي.
ثانيا: يرتبط هذا اليوم بمناسبة تدور حول الحق /المادي؛ فالنساء اللواتي تظاهرن تحركن بدافع مادي، ورغم أن الشريعة الإسلامية تقر بأن الحقوق المادية هي جزء لا يتجزأ من حقوق الإنسان وأن حفظ المال مقصد من مقاصد الشريعة، إلا أن الحقوق المادية هي مجرد جزء من منظومة الحقوق الإنسانية؛ فلا ينبغي أن يطغى الجزء على الكل أو أن يختزل الجزء الكل. وإذا كان هذا له ما يبرره في الحضارة الغربية التي تعلي من شأن الحق المادي وتجعل منه أهم حقوق الإنسان على الإطلاق، فإن هذا غير جائز إسلاميا إذ أن للإنسان حقوقا متعددة تتساوى في الأهمية، ولا يمكن أن يحل أحدها بديلا عن بقية الحقوق.
ثالثا: تم توظيف يوم المرأة العالمي ليكون أداة في يد الولايات المتحدة والقوى الأوروبية لتسهيل مهمتها الاستعمارية في العراق وأفغانستان، وفي هذا الصدد نشير أن نهج الإدارة الأمريكية الحالية لا يخرج عما ذهب إليه اللورد كرومر (ممثل الاستعمار القديم) حين جعل من مسألة تحرير المرأة المسلمة من ربقة الرجل المسلم أحد مبررات قدوم جحافل الاستعمار الغربي إلى الشرق الإسلامي، وتكرر الولايات المتحدة اليوم نفس الديباجات الاستعمارية؛ فتزعم أن تمكين المرأة ورفع الغبن الواقع عليها أحد دوافعها لاحتلال العراق وأفغانستان، في محاولة لإضفاء الطابع الأخلاقي على الاستعمار الأمريكي.
رابعا: تحول يوم المرأة إلى مناسبة سنوية لابتعاث وفود نسائية من العراق وأفغانستان لحضور الاحتفال في العاصمة واشنطن حيث يخضعن لعدد من الدورات النسائية ويجتمعن مع المسئولين في الإدارة الأمريكية وضمن هذا الإطار التقى الرئيس بوش في مارس 2006 وفودا نسائية من الدولتين، وأشاد بالخطوات الهائلة التي قطعتها المرأة في أفغانستان والعراق منذ الإطاحة بنظامي طالبان وحزب البعث.
خامسا: رغم إعلان الأمم المتحدة الثامن من مارس يوما للمرأة منذ عام 1977 إلا أن الحكومات العربية لم تلق له بالا إلا في أعقاب مؤتمر بكين، ذلك أنه بات يشكل جزءا من الأجندة الدولية التي تم فرضها على الدول العربية والإسلامية. ويغلب على الاحتفالات العربية بهذا اليوم الطابع النخبوي حيث تظهر سيدات الطبقة العليا من عضوات الجمعيات النسائية التي تجني الأرباح الكبيرة باسم الدفاع عن حقوق المرأة والتي لا تظهر إلا في المناسبات التي تكون الكاميرا فيها حاضرة. ويتباهين بما حققته المرأة من مكاسب وما اعتلته من مناصب قيادية، بينما يغيب عن الاحتفال أي تمثيل للقاعدة الشعبية من النساء اللواتي لا يدركن ماهية هذا اليوم وما المراد من جعله احتفالية عالمية.
إن ما قدمناه من ملاحظات يؤكد أننا لا نؤسس رفضنا ليوم المرأة العالمي انطلاقا من اعتراضنا على دعاوى العالمية أو المشتركات الإنسانية التي يمكن أن تشكل أرضية ملائمة لتجمع دولي يتم خلاله تبادل الخبرات النسائية، وإنما رفضنا ينطلق من أن بعضا من أسسه ومرتكزاته التي يتأسس عليها لا تتفق مع الشريعة الإسلامية، وأنه صار يوظف سياسيا وحضاريا بحيث أصبح أداة لتحوير هوية النساء المسلمات ومحاولة لإعلان تفوق النموذج الحضاري الغربي على ما عداه من نماذج حضارية.
نشر بموقع لواء الشريعة

الجمعة، 21 نوفمبر 2008

مسابقات الجمال والتمركز حول الجسد

فاطمة حافظ
مع صعود تيار العولمة بدا واضحا أن هناك إفراطا في التركيز على الجسد الذي أصبح محورا للاهتمام من جانبين:
الأول ثقافي: ويجد صداه في تركيز بعض المؤسسات الثقافية على اعتبار الجسد موضوعا للبحث فبدأنا نسمع عن انعقاد مؤتمرات وإصدار كتابات تحت عناوين: الجسد المقهور، الجسد المهمش، العنف الجسدي، فلسفة الجسد وما إلى ذلك من عناوين لا تحمل أي مضمون علمي حقيقي.
والثاني مادي: ويجسده محاولة إعادة تشكيل الجسد من خلال عمليات تجميلية تمهيدا لإبرازه عاريا، وهناك طلب متزايد على الخضوع لتلك العمليات حتى أضحت تجارة رائجة تحقق أرباحا طائلة إلى الدرجة التي دفعت بعض البنوك إلى تقديم قروض مالية تيسيرا على الراغبات في إجرائها والولوج إلى عالم الجمال. وهكذا ادخل الجسد دائرة علاقات السوق وانتزعت قداسته وأضحى سلعة خاضعة للتقييم والفحص والمعاينة من خلال مسابقات الجمال التي لم تعد قاصرة على النساء وإنما طالت الرجال مؤخرا.

إن فكرة اختيار فتاة شابة وتتويجها على عرش الجمال عادة أوروبية موغلة في القدم؛ فالمرأة الجميلة ترمز للقارة الأوربية ذاتها كما ورد في الأساطير الغربية القديمة؛ ومن ثم فإن الاحتفالات باختيار الفتيات كانت تأخذ طابعا قوميا ودينيا واضحا.
وتعود مسابقات الجمال المتعارف عليها حاليا إلى عام 1921 حين نظمت ولاية أتلانتا الأمريكية أول مسابقة من نوعها لاختيار ملكة جمال للولاية، وفي العام التالي تحولت المسابقة إلى مسابقة لاختيار ملكة جمال الولايات المتحدة. وبعد مضي عقود أخذت الفكرة طريقها نحو العالمية على يد البريطاني إريك مورلي الذي نظم مسابقة (miss world) للمرة الأولى عام 1951، وفي العام التالي مباشرة تم تنظيم مسابقة ملكة جمال الكون (miss universe) واستمر الأمر في التوسع حتى بلغ عدد المسابقات العالمية أربع مسابقات، هذا بخلاف المسابقات المحلية التي تنظمها كل دولة على حدة ويتم من خلالها تصعيد الفتيات المشاركات في المسابقات العالمية.


المسابقات في العالم الإسلامي

عرفت هذه المسابقات سبيلها إلى العالم العربي أواخر الثمانينات مع بدايات المد العولمي؛ ففي عام 1987 نظمت إحدى الشركات أول مسابقة من نوعها في مصر وذلك على نطاق ضيق وشبه سري واستمر الحال على هذا النحو إلى أن تمت النقلة النوعية لهذه المسابقة عام 1998 بحصولها على توكيل منظمة ملكة جمال الكون وبموجب ذلك أضحت الفتاة الفائزة تشارك في المسابقة العالمية التي تعدها المنظمة.
رافق هذا تبدل مماثل على صعيد وسائل المسابقة التي تخلت عن السرية وحظيت بتركيز إعلامي مفرط، ومن المعروف أن عدد المتقدمات قد ارتفع من بضع عشرات مع بدء انطلاقها إلى أن بلغ 850 فتاة عام 2005، وقفز العدد فجأة إلى ما يربو على ألفي فتاة في الدورة الأخيرة 2007. وتلك الزيادة المضطردة يمكن تفسيرها على ضوء أن بعض الأسر أصبحت لا ترى غضاضة في مشاركة بناتها في هذه المسابقات إذا كانت ستكفل لهن أن يصبحن مقدمات برامج أو ممثلات معروفات كما حدث فعليا مع بعض القائزات.
ولعل هذا ما ضاعف من حدة الانتقادات الموجهة إليها والتي وصل بعضها إلى البرلمان المصري (مجلس الشعب) عدة مرات. وبعد أن كان الحديث يجري همسا ودون قرائن عن المخالفات الأخلاقية للمسابقة أصبح الآن جهرا مع تقدم عدد من المتسابقات في العام الماضي ببلاغ للنائب العام يتحدثن فيه عن مخالفات شرعية وفضائح أخلاقية شابت فعالياتها، ومن الواضح أن ذلك لم يفت في عضد اللجنة المنظمة للمسابقة التي أعلنت عن أنها تنوي الاحتفال بمضي عشر سنوات على هذه المسابقة خلال مسابقة العام الحالي 2008.
ويبدو أن هناك توجها نحو تعميم هذه المسابقات ونشرها؛ فبعد أن كانت مصر ولبنان وحدهما من ينظمان هذه المسابقة عربيا شرعت المغرب منذ عام 1999 في تنظيم مسابقة مماثلة. كما جرت محاولة أردنية عام 2002 لإجراء أول مسابقة أردنية غير أن الاعتراضات الشعبية وضعف الإقبال على المسابقة (شاركت 6 متسابقات فقط) جعلا من تكرار التجربة أمرا مستحيلا.
وعلى امتداد العالم الإسلامي لم يكن إقرار هذه المسابقات هيناً ففي عام 2002 شهدت نيجيريا مواجهات دامية أسفرت عن سقوط مائتي شخص احتجاجا على إقامة مسابقة ملكة جمال العالم في دولة ذات أغلبية مسلمة وهو الأمر الذي اضطر اللجنة المنظمة إلى نقل المسابقة إلى القارة الأوروبية في مسعى لتهدئة الغضب الإسلامي.


تسييس مسابقات الجمال

انطلاقا من مطلع القرن الميلادي الجديد لوحظ أن هناك توجها لتوظيف مسابقات الجمال لخدمة أهداف سياسية؛ فمن جهة لوحظ الحرص على إقامة المسابقات الكبرى في بلدان مازالت تقاوم تيارات العولمة (نيجيريا، الصين) كما أضحى الفوز فيها محكوما بدواعي السياسة، وعلى سبيل المثال اعتبر فوز امرأة صينية بلقب ملكة العالم عام 2007 بمثابة حفز للصين على الانخراط في سلك العولمة والتغريب الكامل.
ومن جهة ثانية لوحظ انتشار هذه المسابقات في البلدان الواقعة تحت الاحتلال. ففي عام 2003 شاركت امرأة أفغانية مقيمة في الولايات المتحدة في مسابقة ملكة جمال الأرض مثيرة بذلك انتقادات شعبية حادة وبخاصة بعد ظهورها بلباس البحر على شاشات التلفزة العالمية، أما في العراق فقد شجعت سلطات الاحتلال على تنظيم مسابقة جرى التكتم بشأنها عام 2006، وما أن أشيع النبأ حتى تلقت الفائزة تهديدات بالقتل فاضطرت إلى التنازل عن اللقب والفرار خارج العراق، لذا جرى الاتصال بالوصيفتين ولكنهما خشيتا ذات المصير وأخيرا تم منح اللقب إلى المرشحة الرابعة التي شاركت في مسابقة ملكة جمال الكون.
ويبدو أن هذه المسابقة وجدت في العراق لتبقى؛ فرغم ما أصابها من فشل فقد أعيد تنظيمها في العام التالي تحت دعاوى نشر ثقافة السلام في مواجهة ثقافة الحرب والتدمير، دون أن يوضح مروجوها ماهية العلاقة بين الفتيات الجميلات وبين السلام وكيف يمكن أن تؤدي إلى إحلال السلام وإنهاء الحرب، ويبدو السؤال الأكثر جوهرية لماذا هذا الحث من سلطات الاحتلال على تنظيم هذه المسابقات وما هي النتائج التي تأمل أن تصل إليها؟.

الموقف الفقهي

في تعليق لشيخ الأزهر السابق الشيخ جاد الحق رحمه الله على تنظيم أول مسابقة لملكات الجمال في مصر ذكر ما نصه: يا هول هذا الخبر وما حواه من استعراض لأجساد فتياتنا من سن 15-25 سنة؛ هل هذا عودة إلى النخاسة والرقيق الأبيض أوقفوا هذه المهازل إننا ندعو جميع المسئولين بالتدخل لوقف مثل هذه المهرجانات الفاسدة المشبوهة والله يهدى إلى الحق وإلى طريق مستقيم. فواجب على أولي الأمر تجنيب بلاد المسلمين أسباب سخط الله تبارك وتعالى؛ والبعد عن كل ما يودي بشبابها وفتياتها إلى الهاوية والعياذ بالله.
أما الشيخ نصر فريد واصل مفتي الديار المصرية السابق فقد أصدر فتوى بشأنها جاء فيها أن تنظيم هذه المسابقات "حرام.. حرام.. وغير جائز شرعًا بأي حال" واستند في ذلك إلى أنها من المعلوم من الدين بالضرورة وأن كل ما يؤدي إلى حرام فهو حرام وأنها مما لا تقره أخلاق الفطرة؛ وخروج بها عما جبلت عليه من العفاف والستر..

الأبعاد الفلسفية لمسابقات الجمال

يحمل الرفض الإسلامي في طياته ما هو أكثر من النظر لهذه المسابقات على اعتبار أنها تشيع العري والابتذال؛ فلا يمكن أن نعزو الفتاوى القطعية في تحريم هذه المسابقات إلى الجانب الفقهي فحسب رغم جلاله وأهميته ولكن هذه الفتاوى تعكس فهما ووعيا بأن هذه المسابقات تلخص رؤية مادية للإنسان: وجوهرها اعتبار الجسد معيارا للتفاضل بين البشر وهو ما يتنافى مع التصور الإسلامي الذي يرجع التفاضل إلى التقوى أي ما اكتسبه الإنسان بيده وعمله، وهنا يمكن أن نتوقف أمام بعض العناصر التي تستجلي طبيعة هذه المسابقات:
فمن جهة تتمركز هذه المسابقات بشكل أساسي حول الجسد الذي يعني المادة التي هي مقابل الروح ومنهما سويا يتشكل الجوهر الإنساني -وفقا للتصور الإسلامي- وتمركز هذه المسابقات حول الجسد واعتباره معيارا أوحد في التقييم الإنساني يعني أن الإنسان يتشكل أساسا من المادة وأنه لا أثر للروح في التكوين الإنساني، وحتى لو افترضنا جدلا وجود بصيص من الروح فإنها تكون في حالة تابعة للجسد، وليس العكس.
من جهة ثانية يرمز الجسد إلى المتعة ومن ثم يصبح التركيز على الجسد في جوهره تركيز على المتع الحسية ويصبح إشباعها هو غاية الوجود الإنساني ومنتهاه.
ومن جهة ثالثة وأخيرة هناك علاقة لا انفصام لها بين هذه المسابقات وبين الشركات الرأسمالية الكبرى التي تتخذ من أجساد الفتيات المشاركات أداة أساسية للترويج لمنتجاتها الاستهلاكية في تجسيد عملي لمبدأ تعظيم الربح -أحد المبادئ الكبرى التي تستند إليها الليبرالية الغربية-.
وبتدقيق النظر نجد أن (المادة والمتعة والربحية) يختزلون ثلاثتهم التصور الغربي في نظرته للوجود وللطبيعة الإنسانية؛ فكأن هذه المسابقات تستبطن رؤية كامنة وفلسفة وبالتالي لا يمكن النظر إليها بوصفها مسابقات ترفيهية غايتها الاحتفاء بالجمال الذي اختزل - وابتذل أيضا- في وجه جميل وجسد ممشوق دون أي اعتبار لأبعاد روحية أو أخلاقية داخلية.
إنه الجمال كما عرفته أسواق النخاسة والرقيق الأبيض فيما مضى وأحيته الحضارة الغربية مجددا.
نشر بمجلة الوعي الإسلامي، العدد 519 (نوفمبر، 2008).

الحركة النسائية العربية: النشأة والتطور والمعوقات

فاطمة حافظ
حين تذكر الحركة النسائية ترد إلى الأذهان مفاهيم من قبيل تحرير المرأة، ومساواتها بالرجل، والتغريب وهذه الاستدعاءات الذهنية تنم عن قصور في إدراك ثنائية الحركة وأنها تشكلت منذ نشأتها من تيارين متباينين أحدهما لا يرى بأسا في محاكاة الغرب وتبني مرجعياته، والآخر ذو توجه إسلامي يدعو لإعمال العقل والاجتهاد في قضايا المرأة من داخل المرجعية الإسلامية وليس من خارجها. ونسعى هنا إلى بيان تلك الطبيعة الثنائية من خلال استعراض المراحل الأساسية في تاريخ الحركة، والتشكيلات التي تعبر عنها، وأهم المعوقات التي تعترضها.
وقبيل أن نتعرض لذلك ينبغي أن نشير أننا نستخدم صيغة "نسوي" للدلالة على التيار العلماني، على حين نميل إلى استخدام صيغة "نسائي" للإشارة إلى التيار الإسلامي، وذلك انطلاقا من أن مصطلح "نسوية feminist" يرتبط ببعض الدلالات والسمات المميزة التي لا تنطبق على التيار الإسلامي.
مراحل تطور الحركة النسائية
تُعرف الحركة النسائية بأنها حركة اجتماعية تنشأ خارج إطار مؤسسة الدولة وتستهدف إحداث تغيير في واقع النساء. ووفقا لهذا التعريف يمكن أن نميز بين عدة مراحل أساسية في تاريخ الحركة لكل منها سماته ومطالبه الخاصة، أخذا بعين الاعتبار أنه ليس هناك تاريخ يحدد بدقة بداية كل مرحلة ونهايتها وإنما هي تتداخل فيما بينها ، كما أن هذه المراحل قد لا تتواجد في كل البلدان العربية على هذا النحو، و هذه المراحل تقسم المراحل على النحو التالي:
المرحلة الأولى: مرحلة النهضة وتمتد من أوائل القرن العشرين وحتى ثلاثينياته تقريبا، وفيها تم التركيز على حزمة من المطالب الاجتماعية كحق النساء في التعلم والعمل، ونوقشت بعض القضايا ذات الارتباط، مثل: الحجاب، والضوابط التي يمكن أن تحكم خروج المرأة ، وطبيعة الدوائر التي يمكن أن تشتغل فيها وما إلى ذلك من القضايا، وقد انقسم الفاعلون الرئيسيون في هذه المرحلة إلى تيارين أحدهما يميل إلى محاكاة الغرب واقتباس تشريعاته ونظمه ورؤاه بشأن المرأة وتيار آخر يدعو إلى النهل من معين الشريعة الإسلامية وإعمال النظر والاجتهاد فيما استجد من تطورات.
المرحلة الثانية: وتشغل حقبتي الأربعينات والخمسينيات وفيها ترسخ حقي النساء في التعليم والعمل ولم يعودا مطروحين للنقاش، وقد تجاوز الخطاب النسوي في هذه المرحلة مطالبه الاجتماعية إلى الحقوق السياسية حيث انخرطت النساء في حركات التحرر الوطنية آنذاك في مصر وفلسطين والمغرب ومن ثم تعالت الأصوات منادية بحق النساء في الاقتراع والترشح لعضوية المجالس التمثيلية (البرلمانات) وهي دعوات تبنتها قيادات نسوية تحسب على الأحزاب الليبرالية أو الماركسية القائمة على حين أحجمت الإسلاميات عن المناداة بمثل هذه المطالب رغم انخراطهن بقوة في حركات مقاومة الاحتلال.
المرحلة الثالثة: هي مرحلة صعود الدولة القومية وفيها امتلكت الدولة ناصية العمل النسائي وأخضعت كل التنظيمات النسائية تحت سلطتها، وقد أقدمت على تقنين أوضاع النساء عبر إصدارها قوانين العمل وقوانين الأسرة. وبصفة عامة شهدت هذه المرحلة تراجعا في المطالب النسوية على خلفية احتداد الصراع مع الدولة الصهيونية والذي غطى على كثير من المشكلات القائمة آنذاك.
المرحلة الرابعة: مرحلة انسحاب الدولة وبروز سلطة العولمة ويؤرخ لها منذ الثمانيات ولا تزال ممتدة إلى الآن، وفي مستهلها شهدت البلاد العربية قاطبة صحوة إسلامية كرد فعل على عملية التحديث على النسق الغربي التي انتهجتها الدولة. وقد أفرزت الصحوة بدورها تيارا نسائيا إسلاميا تشكل من نساء الطبقة الوسطى وقد عبر هذا التيار عن ذاته في شكل عودة موسعة لارتداء الحجاب، وتأسيس جمعيات نسائية على أسس ومرجعيات إسلامية، وانخراط في التيارات والأحزاب الإسلامية القائمة ومشاركة النساء في الترشح على قوائمها الانتخابية واحتلالهن مراكز متقدمة في هياكلها التنظيمية. وفي الجهة المقابلة برز تيار نسوي نخبوي استقى أطروحاته وبرامجه من جهات عولمية واستفاد كثيرا من الاهتمام العالمي بقضايا المرأة وهي الاستفادة التي تجلت في احتكاره تمثيل النساء في المؤتمرات والمنتديات الدولية المعنية بالمرأة وفي الحصول على تمويل مالي ضخم يدعم التنظيمات النسائية التي أنشأها.
التيارات والأيديولوجيا
وفقا لهذا يمكن أن نصنف تيارات الحركة النسوية بحسب نوعية مساهمتها وكيفية معالجتها لقضايا المرأة إلى الأنماط التالية:
التيار النسائي الإسلامي: وتعبر عنه الجمعيات النسائية الإسلامية وهي تقدم خدماتها إلى نساء الطبقات الدنيا، ولذا فهي توصف بأنها جمعيات خيرية إلا أنها لا تتقيد في برامج عملها الصفة، وهي تتخذ من الدين إطارا مرجعيا لها، وبرامج عملها تراعي الأنساق الدينية والثقافية ولا تستعديها؛ ولذلك تقف موقفا سلبيا من دعاوى عولمة قضايا المرأة القادمة من الخارج، وتقدم نفسها باعتبارها بديلاً للنسوية الغربية لا يشكل تهديدا للهويتين الدينية أو الثقافية. وقد استطاعت هذه الجمعيات بفعل تمسكها بالثوابت الدينية وتبنيها خطابا غير طبقي يؤكد على الفاعلية النسائية استقطاب الأجيال الجديدة من المثقفات الجامعيات المنتميات للطبقة الوسطى، ممن وجدن في الانتماء للإسلام صيغة مثلى للتعامل مع الحداثة دون تعريض الميراث الديني والثقافي للخطر. وقد حرم انضمام الأجيال الجديدة لهذه الجمعيات المنظمات النسوية الحقوقية من رافد مهم من الروافد البشرية اللازمة لتجديد دمائها وتنفيذ برامجها.
التيار العلماني النسوي برافديه الليبرالي والماركسي: وتجسده الجمعيات النسوية الحقوقية التي تأسست بفعل التوسع المطرد في إتاحة فرص التعليم والعمل أمام المرأة، وإطارها يتسع ليشمل الجمعيات الحقوقية التقليدية وكذلك الأنماط الحديثة من الجمعيات كجمعيات سيدات الأعمال وجمعيات مكافحة العنف ضد المرأة، وهي تتخذ من الإطار الحقوقي الغربي مرجعًا لها، وتصطبغ بصبغة نخبوية واضحة؛ إذ تنحصر عضويتها في سيدات الطبقة العليا والنخب الفكرية، وبفعل نخبويتها أقامت هذه الجمعيات جسوراً من التواصل مع المنظمات النسوية الدولية، واحتكرت تمثيل النساء في المؤتمرات والمنتديات الدولية، وقد انعكس هذا على خطابها الذي أخذ بالمرجعية الغربية وتبنى معالجاته للقضية النسائية
التيار النسوي الحكومي: وتجسده الاتحادات القومية للمرأة وهي تجمعات نسوية نشأت مؤخراً تحت رعاية الدولة، وجاء إنشاؤها تعبيرا عن رغبة الدولة في امتلاك منابر التعبير عن قضايا المرأة، خصوصا في المنتديات العالمية، وكذلك بسط سيطرتها على المنظمات النسوية الحقوقية التي أجبرت في بعض الدول على الانضمام لهذه الاتحادات. وهي تتبنى المنظور الحقوقي تجاه قضايا المرأة إلا أنها تظل محكومة بألا يتجاوز طرحها السقف الرسمي في تعامله مع هذه القضايا.
المعوقات والتحديات
إن نظرة تقييمية للحركة بشقيها الإسلامي والعلماني تفيد بأنه رغم مرور قرن ونيف على نشوئها لا تزال تعاني بعض المشكلات التي تكاد تكون مزمنة لعل أهمها عدم تخلصها من الطابع الفئوي الذي يتجاوز المطالب النسائية إلى المطالب والحقوق العامة. كما تعاني الحركة من نخبوية واضحة إذ لم تستطع الوصول إلى الشرائح الدنيا إلا في حالات محدودة للغاية، أما خطابها فلم يبرح مناشدة مؤسسة الدولة أو بعض القوى الاجتماعية التدخل لرفع الغبن عن المرأة، وبعبارة أخرى يعاني الخطاب حالة عجز كلي تتمثل في عدم مبادرته لطرح حلول لمشكلات النساء وعدم امتلاكه أدوات فعلية لتغيير الواقع النسائي.
أما عن التحديات - ونقتصر هنا على ما يواجهه التيار الإسلامي- فيأتي على رأسها محاولة تأصيل طرح نسائي إسلامي عصري، وللحق فإننا نلحظ أن مجمل الأطروحات الإسلامية هي ردود أفعال على ما يطرحه التيار العلماني موسومة بطابع الانفعال، ويبدو أنه بفعل محاولة التصدي للأطروحات العلمانية انصرف التيار عن مهمته الأساسية المتمثلة في بلورة طرح إسلامي أصيل ترتب أولوياته وموضوعاته وفقا للاحتياجات النسائية الفعلية ويلامس قضايا عموم النساء، وهذا الطرح ينبغي عليه أن يدرس تجارب الفاعلية النسائية في التاريخ الإسلامي، فيبحث في تجربة الوقف وظاهرة المحدثات والفقيهات ودور النساء في تحصين الأمة إبان الهجمات الشرسة التي واجهتها ومحاولة تفعيل هذه الظواهر مجددا في حياتنا. وبهذه الكيفية فقط يكون طرحا إسلاميا مقبولا وليس انجرارا لأجندات قادمة من الخارج.
مقال نشر بموقع المصريون